باختصار
منذ أن وعيت في هذه الدنيا، وأنا أسمع في ليبيا مصطلح “القبائل الشريفة”… عبارة تبدو للوهلة الأولى مجرد مدح وتفاخر، لكنها حين توضع تحت مجهر العقل وفي ميزان المنطق نجدها تحمل سؤالا خطيراً: إذا كانت هناك قبائل شريفة، فأين تقع القبائل الأخرى من هذا التصنيف؟ وهل يعني ذلك ضمناً، أن في ليبيا قبائل شريفة وأخرى أقل شرفاً؟
المشكلة ليست في الاعتزاز والتفاخر بالقبيلة، فالانتماء إلى العائلة والقبيلة وحتى المدينة جزء من الذاكرة الاجتماعية، لكن المشكلة تبدأ حين يتحول الانتماء إلى شهادة أخلاق جماعية، وكأن الفضيلة تنتقل بالدم، ويصبح الشرف صفة وراثية لا علاقة لها بسلوك الإنسان.
وإذا ما أمعنا النظر قليلاً لوجدنا أن هذا المصطلح استخدم في الأساس لأغراض سياسية، ثم ازداد حضوره في بدايات أحداث فبراير، حين جرى استدعاء القبيلة باعتبارها كتلة سياسية واجتماعية يمكن حشدها خلف موقف أو شخص… وهنا يتحول المصطلح من مجرد وصف اجتماعي إلى أداة سياسية: أنت من القبائل الشريفة، إذن عليك أن تكون في هذا الصف… ومن ليس فيه يترك ليواجه إيحاء معاكسا ولو لم يصرح به.
لكن التاريخ والدين والمنطق لا يسندون هذه الفكرة، خذوا قريش مثالاً… هي قبيلة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وهو سيد الخلق وخاتم الأنبياء والمرسلين، وفيها بنو هاشم، وفيها رجال أسلموا وصاروا من أعلام الإسلام… لكن قريش نفسها كان فيها أبو لهب، وهو نفسه عم النبي، الذي نزلت فيه سورة كاملة، وكان من أشد خصوم الدعوة، فنزل فيه قوله تعالى: (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ).
فهل كانت قريش قبيلة شريفة أم غير شريفة؟ …. السؤال نفسه خاطئ، لأن القبيلة لا تدخل الجنة ولا النار، ولا تكافأ ولا تعاقب بوصفها قبيلة… الذي يحاسب هو الإنسان في شخصه على عمله.
زد على ذلك، أن القرآن نفسه وضع معيارا دقيقاً يتجاوز النسب والقبيلة فقال: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)، وهذا هو جوهر القضية… فلا توجد قبيلة تحتكر الشرف، كما لا توجد قبيلة تحتكر الخسة والنذالة… في كل قبيلة الصالح والطالح، الكريم واللئيم، الشجاع والجبان، العالم والجاهل، العادل والظالم…. فالقبيلة إطار اجتماعي، أما الأخلاق فاختيار فردي ومسؤولية شخصية.
والأخطر أن تصنيف القبائل إلى شريفة وغيرها…. يفتح بابا لا ينبغي لمجتمع حديث أن يفتحه: باب التراتبية والتمايز الاجتماعي على أساس النسب…. فإذا قبلنا اليوم أن قبيلة ما أشرف من غيرها، فما المعيار الذي سنستخدمه غدا؟ ومن سيمنح وثائق وصكوك الشرف؟ ومن سيقرر من يستحقها ومن يحرم منها؟
كما أن ليبيا ليست قبيلة واحدة، ولا يمكن بناء دولة حديثة بعقلية دفتر الأنساب، فالدولة التي نريد هي التي يجب أن تقوم على المواطنة والقانون وتكافؤ الفرص، لا على ترتيب القبائل في سلم افتراضي للشرف.
فنحن في عصر ما بعد الذكاء الاصطناعي، نتحدث عن التحول الرقمي والدولة الحديثة والمواطنة، ثم نعود في خطابنا الاجتماعي إلى مفردات تجعل الشرف ميراثا جماعيا… ووهم تتوارثه الأجيال.
خلاصة القول، لا شرف لقبيلة بأكملها، ولا عار لقبيلة بأكملها… هناك فقط إنسان يرفع اسمه واسم أسرته، وحتى قبيلته بأخلاقه، وإنسان يسيء إليهم جميعاً بسلوكه.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية