زايد..ناقص
“مرحبًا بفصل الخريف”، قلتُ في نفسي مبتهجًا، ظهيرة يوم أحد، وأنا أستقبل زخّات أول أمطاره، وأسير متمهّلًا في شارع مزدحم بالبشر. فصل خريف آخر يأتي من بعيد، كي يُضاف ببهجة إلى قائمة طويلة من فصول خريفية سابقة رحلتْ مبتعدة. الناسُ من حولي يسارعون الخطى تجنّبًا للبلل، لكنّي حافظتُ على إيقاع خطوي المتمهّل. زخّات أول مطرلا تختلف عن زخّات أول حبّ.
اتصلتُ بصديقة لي في طرابلس هاتفيًا، وأبلغتُها أن فصل الخريف قد حلّ في البلد الذي أقيم فيه. قالت لي ضاحكةً: “يا بختكم، أبعثلي شوية”.
طلبُها المشروع غير ممكن واقعيًا. الثورة التكنولوجية الهائلة التي نعيشها ليس بمستطاعها، حتى الآن، تحويل فصل مناخي من بلد إلى آخر. تلك معجزةٌ لم يأتِ وقتها بعد، وقد تعيشها أجيالٌ قادمة، على سطح الأرض أو ربما على سطح كواكب أخرى.
تمنّيتُ لو أن بإمكاني اختطاف غيمة ماطرة من السماء، وإرسالها إليها على وجه السرعة، لإنقاذها من الاختناق حرًّا ورطوبةً، في بلد يعيش فوق بحيرة نفط ومحروم من الكهرباء. بدلًا من ذلك، التقطتُ بعدسة هاتفي صورًا لما حولي من ملامح الخريف: أوراقُ شجرٍ متساقطة على أرصفة مزدحمة، ومارّةٌ يسرعون الخطى، بعضهم يحملون مظلات، وآخرون يرتدون معاطف مطر خفيفة تُطلّ من تحتها سراويل صيف قصيرة، كأن الفصلين يتقاسمان أجسادهم.
الصورُ الملتقطة والمرسلة نقلت ملامح الخريف، لكنّها للأسف لن تمنح صديقتي برودة هوائه، ولن تُوصل إليها رائحة الأرض غبّ أول مطر، ولن تُطفئ عنها حرارة صيف قائظ، في مدينة تعيش على سطح صفيح ساخن وعلى وشك الاحتراق تفسّخًا.
واصلتُ سيري تحت زخّات المطر، غير آبهٍ بالبلل، محافظًا على الإيقاع نفسه، وقد خطر لي أن أبسط الأشياء أحيانًا أصدقها: فربما كانت نبرات صوتي عبر الهاتف، وحده، قد حملت إليها ما عجزتْ عن نقله الصورة والفكرة معًا – قليلًا من برد هذا الخريف البعيد.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية