منصة الصباح
هاشم شليق

جز العشب هدنة مؤقتة!

قص العشب قد يحافظ على المشهد كما هو لكنه لا يغيّر التربة التي تُنبت الأزمة..أي هدنة مؤقتة..فعندما تتعامل الدولة مع أعراض الأزمة المتكررة تتراكم الأسباب البنيوية تحت السطح..لذا قد يأتي وقت تصبح فيه الأزمة أكبر من القدرة على احتوائها..والمقصود هو أن السلطة لا تحاول حلّ جذور الأزمة بشكل نهائي بل تتعامل معها كلما تصاعدت إلى مستوى يهدد الاستقرار..أي التهدئة يتبعها تنازل محدود ثم إجراءات أمنية أو اقتصادية أو خدمية والنتيجة ترك الأسباب الأساسية دون معالجة كاملة..مثل العشب الذي ينمو مجددًا بعد جزه..

قد تلجأ السلطة إلى جز العشب لأن إدارة الأزمة مؤقتًا قد تكون أسهل وأسرع..لكنها تؤول إلى خطر كبير..فإذا أصبحت الدولة تدير الأزمات بدل أن تحلها فإنها قد تتحول من أزمة إلى أخرى ويصبح الاستقرار مؤقتًا بطبيعته..وهنا يمكن التمييز بين إحتواء الأزمة وسياسة جزّ العشب التي تصبح مشكلة عندما تكون التهدئة المتكررة هي الهدف النهائي وليست مرحلة مؤقتة..

مثال تاريخي الصراع في إيرلندا الشمالية كان قائمًا أساسًا بين الوحدويين ومعظمهم من البروتستانت ويريدون بقاء إيرلندا الشمالية ضمن المملكة المتحدة..والقوميين ومعظمهم من الكاثوليك وكان كثير منهم يريد اتحاد إيرلندا الشمالية مع جمهورية إيرلندا..فمن أواخر الستينيات دخلت المنطقة في صراع استمر نحو ثلاثة عقود..وكانت دورة الأزمة في كثير من الأحيان أشبه بجزّ العشب فتم إخماد مظاهر الأزمة عندما ترتفع دون القدرة على إزالة أسبابها السياسية والاجتماعية بالكامل..

لماذا لم ينجح ذلك نهائيًا؟..لأن المشكلة لم تكن مجرد جماعات مسلحة..كانت هناك قضايا مثل الهوية والتمييز السياسي والإجتماعي..وعلاقة السيادة مع بريطانيا..لكن في التسعينيات بدأ التحول من التركيز على الحل الأمني وحده إلى المفاوضات السياسية..وفي أبريل 1998 تم التوصل إلى اتفاق بلفاست الذي وضع إطارًا سياسيًا لتقاسم السلطة وأقر مبدأ موافقة سكان إيرلندا الشمالية على وضعها الدستوري مع ترتيبات للعلاقات بين بريطانيا وإيرلندا..ومن هنا نرى الفرق حيث جزّ العشب يبقي الأزمة تحت السيطرة..بينما الحل السياسي يحاول تغيير الظروف التي تجعل الأزمة تتكرر..والنتيجة لم تختفِ الخلافات السياسية أو الطائفية تمامًا لكنها اقتربت كثيرا من التسوية..وانخفض العنف بدرجة هائلة مقارنة بفترة الصراع السابقة..

ولهذا فإن الدرس المهم من إيرلندا الشمالية هو يمكنك إخماد الأزمة عشرات المرات لكن إذا لم تعالج أسبابها فإنها ستبحث عن طريقة جديدة للعودة..ختاما كلما قُصّت الأزمة دون اقتلاع جذورها عادت من جديد أكثر تشعبًا..لذا نحن متفائلون بأن يكون عام 2027 في بلادنا عام اللا أزمة..

هاشم شليق

شاهد أيضاً

أحلام محمد الكميشي

مصادفة أم ترتيب؟

أحلام محمد الكميشي هل اعتدنا الأزمات إلى الحد الذي أصبحت فيه قدرتنا على التعايش معها …