منصة الصباح
يوسف مصطفى عفط
يوسف مصطفى عفط

الابن الضال… أم الأب الغائب؟

يوسف مصطفى عفط

لا أختلف كثيرًا مع منصور بوشناف حين يعلن أن مشروع النهضة العربية يتراجع، وأن العقل الذي حاول، منذ أكثر من قرن، أن يؤسس لحداثة عربية قائمة على النقد والعقلانية، قد وجد نفسه اليوم محاصرًا بموجات متتالية من اليقينيات والحنين إلى الماضي. يكفي أن ننظر إلى المجال العام، وإلى التعليم، وإلى الثقافة، وإلى السياسة، حتى ندرك أن ثمة شيئًا انكسر بالفعل.

لكنني أتوقف عند اللحظة التي يحول فيها حبيبنا منصور الشعر إلى دليل إدانة.

هنا يبدأ اختلافي معه

ليست القصيدة العمودية هي التي أعادتنا إلى الوراء، كما أن القصيدة الأفقية لم تدفعنا يومًا إلى الأمام. فالتاريخ لا يتحرك على بحور الخليل، ولا تتقدم الأمم بالتفعيلة، ولا تصنع الحداثة بمجرد كسر الوزن.

لقد أخطأنا، منذ عقود، حين تصورنا أن الحداثة شكل قبل أن تكون رؤية.

ولهذا أعتقد أن الحداثة العربية لم تُهزم لأنها كانت قوية ثم سقطت، بل لأنها لم تملأ مكانها أصلًا. لقد بقيت، في كثير من الأحيان، مشروع نخبة أكثر منها مشروع مجتمع، وخطابًا ثقافيًا أكثر منها تحولًا في بنية العقل. ولهذا كان من السهل أن تتراجع.

المشكلة إذن ليست في أن قصيدة العمود عادت، وإنما في أن العقل الذي كان يفترض أن ينتج حداثته كما ينبغي لم يفعل.
بل إن المفارقة المؤلمة أن كثيرًا مما يُسمى اليوم شعرًا حداثيًا لم يكن أقل محافظة من القصيدة التقليدية. لقد استبدل الوزن بالغموض، والقافية بالتفكيك، لكنه ظل يعيد إنتاج اليقين نفسه بصورة أخرى.

فالحداثة ليست أن نكتب بلا وزن، كما أن التراث ليس أن نكتب بوزن.

الحداثة أن نضيف إلى الإنسان سؤالًا جديدًا.

أما التراث فهو أن نحاور من سبقونا، لا أن نسكن بيوتهم إلى الأبد.

لقد كتب أبو تمام شعرًا كان أكثر حداثة من مئات قصائد النثر المعاصرة، وكان أبو العلاء المعري أكثر تمرّدًا من كثير من الشعراء الذين يرفعون شعار الحداثة اليوم. وفي المقابل، يمكن لقصيدة نثر أن تكون أكثر سلفية من قصيدة عمودية إذا كانت تعيد إنتاج العقل المغلق نفسه.

إن الأزمة ليست أزمة موسيقى.

إنها أزمة عقل.

ولهذا فإنني أتفق مع منصور بوشناف في تشخيص المرض الحضاري، لكنني أختلف معه في تحميل القصيدة وزر التاريخ.
فالشعر لا يقود المجتمعات إلى الخلف، وإنما يكشف الاتجاه الذي تسير فيه.

ولعل أخطر ما يمكن أن نقع فيه هو أن نستبدل سلفية التراث بما يمكن أن نسميه سلفية الحداثة؛ حيث يصبح كل خروج على الوزن تقدمًا، وكل التزام به رجعية.

كلاهما يقين.

وكلاهما يغلق باب السؤال.

أما الشعر الحقيقي، فلا يسكن الماضي، ولا يقيم في المستقبل، بل يعيش في تلك اللحظة التي يصبح فيها الإنسان أكثر حرية، وأكثر قدرة على رؤية العالم بعين جديدة.

شاهد أيضاً

د. علي عاشور

رَشُّ الْمَاء لاَ يُطْفِئُ الأَزْمَةَ

باختصار في ظل موجة الحر القاسية التي تضرب البلاد من أيام، ومع استمرار انقطاع التيار …