منصة الصباح
مقال رأي لمفتاح الصغير المصباحي عن الترهل الإداري والإنتاجية في القطاع العام الليبي

أنا المواطن.. أنا الدولة

​الصباح/ مفتاح الصغير المصباحي

لم يعُد مفهوم “المواطنة” يعني مجرد امتلاك رقم وطني وواجب دفع الضرائب، بل أصبحت تعني باختصار: أن تكون حكومة قائمة بحد ذاتها..!!

​أنت هنا لا تنتظر الدولة، بل تمارس مهامها يومياً..

فأنت وزيراً للكهرباء حين تُشرف على صيانة المولد وتدبير وقوده، ووزيراً للصحة حين تخوض رحلة البحث عن علبة دواء مفقودة اوسرير لمريضك، ورئيساً لهيئة الطرق عندما تدفع نصف راتبك لورش تصليح السيارات بسبب الحفر التي تزين الشوارع..

وحتى الملف الأمني، تخوضه بصفتك وزيراً للداخلية، تختار أقفالك و”كاميراتك” بعناية كي تأمن على أسرتك وبيتك..

​فلدينا “كتالوج” الشقاء، وعلى المواطن أن يتدبر أمره..

أزمة كهرباء: المولدات في السوق، ضعف التعليم: الدروس الخصوصية والمدارس الخاصة بالمرصاد، تدني الخدمات الصحية: المصحات والمستشفيات الخاصة أو سفريات العلاج بالخارج جاهزة لمن استطاع إليها سبيلاً..

أما الماء والاتصالات وبقية التفاصيل الحياتية، فباتت تُدار في ليبيا بمزيجٍ عجيبٍ من المال، والصبر، وكثيرٍ من الحظ..!!

​المفارقة المضحكة المبكية تكمن في أن المواطن يُصرّف أموره كحكومة مُصغَّرة، في وقتٍ تُعتمد فيه ميزانيات بالمليارات، ووزارات تتناسل، ومؤسسات تسمع بأسماء براقة لها، لكنك تحتاج لمجهر إلكتروني كي تلمس أثر ذلك كله على الأرض..

وبطبيعة الحال، لا يملك المواطن رفاهية الانتظار حتى تكتمل “الدراسات والخطط”، لأن الانتظار هنا يعني بساطة أن تفقد حياتك أو صحتك، أو يضيع مستقبل أبناءك، أو تتعطًّل أعمالك..

​لا أحد يُطالب بالعيش في أفلاطونية خيالية، ولا ننتظر معجزات بلمسة زر، لكن من حق أي ليبي أن يطرح السؤال البسيط:

أين تذهب كل هذه الثروات؟ ولماذا تتضخَّم أعداد المؤسسات والمسؤولين طردياً مع انحدار مستوى الخدمات.؟

فمعيار الدولة المحترمة لم يكن يوماً بعدد حقائبها الوزارية، بل بقابليتها لتوفير الحد الأدنى من العيش الآدمي..
​في النهاية، يجدُ الليبي نفسه مشترياً للخدمة مرتين:
الأولى من قوته وثروة بلاده التي تُهدَر في ميزانيات لا تُسمن ولا تُغني من جوع، والثانية من جيبه الخاص ليؤمّن لنفسه الخدمة ذاتها..

وأمام هذا المشهد الذي يقوم فيه الفرد بكل أدوار الإنقاذ والتمويل والإصلاح، يفرض سؤالٌ واحدٌ نفسه بقوة:
إذا كان المواطن هو من يدير كل شيء بنفسه.. فما هي وظيفة الدولة بالضبط..؟!!

شاهد أيضاً

د.علي المبروك أبوقرين

الصحة العمومية سيادة الدولة وخط الدفاع الأخير عن الحياة

الصحة العمومية ليست بندًا إداريًا في دفاتر الحكومات، ولا رفاهية تُؤجل حين تضيق الموازنات إنها …