منصة الصباح
د. علي عاشور

مَطَالِبُ مَشْرُوعَة… وَوَسَائِلُ مَمْنُوعَة

باختصار

لم تبدأ أزمة التعليم من باب المدرسة، ولم تكن وليدة اليوم الذي قرر فيه المعلمون إغلاق أبوابها، فالأزمة أقدم من ذلك بكثير، إنها أزمة ثقة تفشت حتى أصبحت حاضرة في علاقة المواطن بالدولة، والموظف بمؤسسته، والمعلم بوزارته، والوزارة بحكومتها… وحين تتآكل الثقة، لا يعود الوعد وعداً، ولا يصبح التصريح عهداً يطمئن، ولا تكفي البيانات لإقناع بأن الغد سيكون مختلفا عن اليوم أو الأمس.

في هذه البيئة التي يصبح مفهوماً أن ينظر المعلم إلى وعود الوزارة بعين الشك، وأن يتعامل مع التعهدات الحكومية باعتبارها وعودا مؤجلة… سنوات من المطالبات واللجان والاتفاقات والتطمينات، تجعل الموظف أكثر ميلا إلى طلب التنفيذ قبل الثقة، وإلى رؤية الأفعال لا الأقوال… وهنا تتسع الفجوة، الدولة تقول سنفعل، والمعلم يقول: نفذوا أولا، وبين الجملتين تضيع الثقة.

لكن المشكلة تبدأ حين تنتقل فاتورة هذه الأزمة إلى المكان الخطأ إلى “المدرسة”، وإلى مقعد الطالب، هذا الأخير لم يكن يوماً طرفا في الاتفاقات التي لم تنفذ، ولم يحضر اجتماعات اللجان، ولم يوقع على وعود الوزارة، ولم يكن مسؤولا عن تأخر الحكومة… ومع ذلك يجد نفسه أمام باب مدرسة مغلق، وكتاب ينتظر من يشرحه، وعام دراسي يبدأ على الورق ولا يبدأ داخل الفصل.

قد يكون للمعلم حق في المطالبة، وقد تكون مطالبه مشروعة، وقد تكون لديه أسباب دفعته إلى فقدان الثقة، ولكن مشروعية المطالبة لا تجعل كل وسيلة مشروعة، وعندما يصبح حرمان الطلاب من الدراسة وسيلة لإجبار الدولة على الاستجابة، فإننا نكون قد نقلنا الصراع من الوزارة إلى الطالب، ومن المسؤول إلى من لا يملك حتى حق الاعتراض.

والأخطر من ضياع أيام الدراسة أن يتسرب إلى المجتمع درس خطير، أن الحقوق لا تنال إلا بإغلاق الأبواب، وأن المواطن لا يسمع صوته إلا عندما يملك قدرة على تعطيل حياة الآخرين.. لهذا عاصرنا مجموعة تغلق منظومة النهر الصناعي العظيم على الليبيين من أجل مطالبها، وجماعة أخرى تغلق محطات الكهرباء، ومجموعة ثالثة تغلق الطرق ورابعة تغلق حقوق النفط….. إلخ، فهذه ثقافة بالية يجب أن نتخلص منها.. ناهيك عن دخول هذه الثقافة إلى المدارس… فلا ينبغي أن تدخل المدرسة، لأنها ليست مكانا لتعليم القراءة والكتابة فقط، بل لتعليم المسؤولية والحوار.

لقد أصبحت أزمة التعليم أكبر من قضية مرتبات وأكبر من خلاف عابر بين المعلمين والوزارة، إنها اختبار لقدرة الدولة على استعادة الثقة، الدولة مطالبة بالتنفيذ، والمعلم مطالب بحماية حقه دون أن يجعل الطالب رهينة وضحية، والحكومة مطالبة بأن تتعامل مع التعليم باعتباره أولوية لا ملفا مؤجلاً.

فالمدرسة حين تغلق، لا يغلق باب حديدي كبير فحسب، بل يتوقف درس وتتراجع مهارة، وتتراكم فجوة، ويفقد طفل يوما من حقه في التعلم… وقد يبدو اليوم الواحد بسيطا في حسابات الكبار، لكنه بالنسبة إلى طالب ينتظر معلمه وكتابه ومقعده قد يكون يوما لا يمكن استعادته.

لهذا، فالسؤال الحقيقي ليس من معه الحق؟ بل كيف نستعيد الثقة من دون أن نخسر التعليم؟ فأزمة الكبار لا ينبغي أن يدفع ثمنها أبنائنا الصغار.. الثقة تبنى بالتنفيذ، والتعليم لا يحتمل الانتظار.

 د. علي عاشور

شاهد أيضاً

أحلام محمد الكميشي

المخدرات.. ماذا تقول طرق العبور؟

أعلنت السلطات الإسبانية، مطلع مايو، ضبط شحنة تفوق 30 طنًا من الكوكايين على متن سفينة، …