منصة الصباح
أحلام محمد الكميشي

من سرق القرية؟

أزور قريتنا الجبلية، وفي كل مرة أجدها تتنصل من وظيفتها الطبيعية وخصوصيتها التي تميزها، أتذكر أنها كانت تتنفس مع الفجر؛ تُفتح الأبواب وتنشط الحركة في كل مكان، وتنتشي الجنانات والشراكات بالأيدي والمناجل، وتنساب المياه في الجداول وفق توزيع عادل.

وتنطلق القطعان صوب الشعاب والجبال، يتردد صدى ثغائها مع ضحكات الأولاد وهم يركضون خلفها، يهشون عليها بما توفر في أيديهم من أغصان يابسة، تقطع الطرق الترابية، فتتوقف للأكل على جنباتها، وتقفز الحملان حول أمهاتها، فيما تتسابق الجديان والماعز لتسلق الأشجار قبل أن ينهرها الرعاة.

كانت ليالي القرية للنوم والسكون، وكان الهدوء ترجمة لأصوات الطبيعة الخافتة، أما نهاراتها فكانت كدًا واجتهادًا من الكبار والصغار. يبدأ الأطفال، في السادسة تقريبًا، بمرافقة الكبار للمرعى، ثم يتولون المهمة بأنفسهم بعمر المراهقة، فيما يلتحق الشباب بأعمال الزراعة والسوق. وكان الكُتّاب جزءًا مهمًا من تربيتهم الدينية. وحتى الصغيرات كن يرافقن القطعان إلى سن الثانية عشرة تقريبًا، قبل أن يلتحقن بركب الزوجات ثم الأمهات.

وتتنوع المهام في القرية بين الحرث والبذار والحصاد والدرس والري وجني الثمار وعصر الزيتون يدويًا، وتربية الدواجن ورعي الأغنام والماشية وحلبها وجز الصوف وجلب الماء والحطب، إلى جانب أعمال البيت من طبخ وطحن وعجن وخبز وتنقية الثمار وتخزين الحبوب والتمر وأعمال المسدة، ناهيك عن التنظيف ورعاية الأولاد واستقبال الضيوف. كانت القرية وحدة إنتاجية واجتماعية متكاملة، وحين فقدت جانبًا كبيرًا من قدرتها على الإنتاج، بدأت تفقد شيئًا من هويتها.

جاءت السيارة، وجاءت المدرسة التي أخذت الأطفال بعيدًا عن مهام اعتادتها الأجيال لقرون. ثم جاء الراديو، فالكهرباء، والتلفزيون، ومواقد الغاز، ثم صحون التقاط البث، فالكمبيوتر والإنترنت، وتركت المسدة مكانها لماكينة الخياطة، وصار القرداش والمغزل والشكوة والقربة مقتنيات تزين الجدران، وبيعت رحى الصوان والنطع لجامعي المقتنيات، وخسرت المعصرة الأثرية معركتها أمام الكهربائية، وابيضت عيون الأفران حزنًا لفراق رائحة الخبز ورنة أساور النساء، فيما اشتكت جالات الآبار شوقها لسوالف جميلات القرية وحنينها لحكاياتهن. لقد تبدلت القرية دون أن تشعر.

منذ نهاية السبعينيات، ترك الفلاحون مزارعهم جزئيًا باتجاه الوظيفة الحكومية، وتذوقوا متعة المرتب الشهري، ووجدوا فيه تحررًا من الارتهان لموسم الأمطار، وثنائية عام الصابة وعام الجفاف. وكانت شبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي قد امتدت بين البيوت، لتمنح أهلها راحة بعد عناء القرون. وارتاح الأطفال والمراهقون من مشقة الرعي حين غزت الأعلاف المستوردة ثقافة القرية وغيرت أساليب تربية المواشي وطعم الشواء، وتسللت آلات الحرث والحصاد فأحالت المحراث التقليدي على التقاعد، واحتلت الأسمدة والمبيدات الكيميائية مكانة العضوية في الزراعة والفلاحة، واستأثرت الهواتف المحمولة بالأيدي والاهتمام.

لم تمتلك القرية مقهى أو مطعمًا أو صالة ألعاب، لديها دكان يبيع كل شيء، من الإبرة إلى مواد البناء والإلكترونيات، ثم حصلت على عدد من المدارس استوعبت المعلمين والمعلمات والطلاب، وعلى مستوصف عام استقطب بدوره الأطباء وطاقم التمريض والفنيين والإداريين، وعلى محطة وقود، واقتربت المسافات؛ صار مركز المدينة على بعد خطوة، وطرابلس على مرمى حجر، وأصبح السفر إلى بلاد الدنيا سهلًا، ولم يعد مقتصرًا على العمرة والحج. وظل انسياب المرتب للجيوب، عاملًا شجع مزيد الأيدي العاملة على مغادرة القرية إلى الوظائف المتنوعة، لأن فرص العمل لم تستوعب طموح الأجيال الجديدة التي تملك الأرض لكنها لا تفهم لغتها.

أتوقع أن أول تبدل حقيقي كان يوم توقفت قطعان الأغنام عن عبور مساربها، ولم يعد هناك أطفال يركضون خلفها في المراعي، واختفت الحظائر التي كانت تجاور كل بيت، وانشغلت النساء عن حلب الشياه وجلب الماء والحطب والأعشاب العطرية، وعجن دقيق طحنته أيديهن من سنابل زرعها وحصدها أزواجهن، وعن خبزه خبزًا تصل رائحته لقمم الجبال المحيطة، وتحويل الصوف والوبر للباس وغطاء. ويوم توقفت القرية عن أكل ما تنتجه من خبز ولبن وخضروات ولحوم وبيض، واعتمدت كليًا على خارجها بعد أن كان الاعتماد عليها.

أتساءل: من سرق القرية؟ وفي بالي أتذكر حكمة الأولين: “من ذاق خبز المدينة ما عاد يلفى ابادي.. ناديت يا حمد هوه فات الدكاكين غادي”.

أحلام محمد الكميشي

شاهد أيضاً

هاشم شليق

من المكتب إلى الشارع !

هاشم شليق سوف تكون القدرة الشرائية من أكبر القضايا الإجتماعية في 2027..ومن أهم الضغوط المحتملة..المواد …