منصة الصباح
د.علي المبروك أبوقرين

التعليم الطبي بين الشهادة والكفاءة

د. علي المبروك أبوقرين

في عالم لم تعد فيه الأخطاء الطبية مجرد أرقام، وإنما خسائر بشرية مباشرة، يصبح الحديث عن التعليم الطبي والتدريب السريري قضية وجود. فالمسألة لم تعد تتعلق بعدد الأطباء ولا بعدد الشهادات، وإنما بجوهر أكثر خطورة: هل الطبيب الذي نقف أمامه اليوم صُنع فعلاً داخل منظومة علمية حقيقية، أم أنه مجرد نتاج مسار شكلي يفتقر إلى العمق والكفاءة؟

إن تنظيم ساعات عمل الأطباء المقيمين يمثل أحد أعمدة هذه المنظومة، حيث تتراوح عالمياً بين أنظمة تصل إلى 80 ساعة أسبوعياً كحد أقصى وفق معايير المجلس الاعتمادي للتعليم الطبي العالي (ACGME)، وأنظمة أكثر توازناً لا تقل عن 48 ساعة وفق توجيه وقت العمل الأوروبي (EWTD). لكن الخطأ القاتل يكمن في قراءة هذه الأرقام خارج سياقها، فهذه الساعات في العالم المتقدم ليست استنزافاً، وإنما كثافة تعليمية عالية داخل بيئات تدريبية حقيقية.

في تلك البيئات لا يعمل الطبيب في فراغ، وإنما داخل مراكز طبية أكاديمية متكاملة، حيث يندمج التدريب العملي مع التعليم النظري والبحث العلمي في منظومة واحدة لا تنفصل. وهنا تتحقق المعادلة الدقيقة: تعرض سريري كثيف، وإشراف مباشر، وتقييم مستمر قائم على الكفاءة.

أما في البيئات التي تُستنسخ فيها هذه الساعات دون هذه المقومات، فإننا لا نحصل على أطباء أقوى، وإنما على أطباء منهكين بلا تعلم حقيقي، وهنا يتحول التدريب من تعليم قائم على الكفاءة إلى مجرد استنزاف زمني.

إن التخصصات الطبية التي تتطلب حضوراً وتدريباً إكلينيكياً مستمراً لا تُكتسب بالمحاضرات فقط، بل عبر منظومة متكاملة تشمل الممارسة السريرية اليومية، والجولات الطبية، والمناوبات، والمؤتمرات العلمية، ومراجعات الوفيات والمضاعفات، وحلقات البحث العلمي، والتدريب بالمحاكاة، وكل ذلك تحت إشراف مباشر من أعضاء هيئة تدريس متفرغين، حيث لا يُترك الطبيب المقيم لمصيره، وإنما يُراقب ويُقيَّم ويُوجَّه في كل خطوة.

وهنا نصل إلى جوهر التقييم الحقيقي، الذي لا يعتمد على اختبار واحد، وإنما على منظومة تقييم متعددة الأبعاد تشمل تقييم الاستشاريين لقياس الكفاءة السريرية واتخاذ القرار، وتقييم المشرفين لمتابعة التطور المهني، وتقييم الزملاء لقياس العمل الجماعي، وتقييم التمريض لقياس السلوك والتواصل، وتقييم الفنيين لقياس الانسجام داخل الفريق، وتقييم المرضى لقياس البعد الإنساني، إضافة إلى الاختبارات الدورية، والتقييم في مكان العمل، والأنشطة المهنية القابلة للثقة.

ولا يُسمح للطبيب بالاستقلال إلا بعد المرور بمرحلة المراقبة اللصيقة، التي تمثل الامتحان الحقيقي داخل الواقع، حيث يتم تقييمه أثناء أداء الإجراءات الطبية والجراحية على مرضى حقيقيين. وبعد اجتياز هذه المرحلة يتم منحه الامتيازات الإكلينيكية، وهي ليست شهادة وإنما تصريح عملي مبني على الثقة والكفاءة.

وفي قلب هذه المنظومة يقف الطب الحديث بكل متطلباته، من الطب القائم على الأدلة، والطب الدقيق، والطب الرقمي، والذكاء الاصطناعي الطبي، والطب الوقائي والتنبؤي، والصحة الواحدة، والسجلات الصحية الإلكترونية، والجراحة الروبوتية. كل هذه العناصر لا يمكن أن تعمل في بيئة هشة أو شكلية، بل تحتاج إلى بنية تحتية متقدمة، ونظام أكاديمي صارم، وثقافة علمية حقيقية.

لكن الكارثة تبدأ حين تنفصل جهة منح الشهادات عن بيئة التدريب، وحين تتحول المجالس إلى كيانات إدارية لا تمتلك مستشفيات جامعية وتعليمية، ولا تتحكم في جودة التدريب، ولا تراقب الأداء الفعلي. عندها نكون أمام فجوة خطيرة تُنتج أطباء يحملون شهادات دون كفاءة حقيقية.

وهنا تظهر الانحرافات القاتلة، ويتحول التدريب إلى خدمة على حساب التعليم، حيث يعمل الطبيب لساعات طويلة دون تعلم حقيقي، أو لا يعمل أصلاً، أو يتعلم بأسلوب التجربة والخطأ على حساب المريض، كما ينهار البحث العلمي حين تتحول الأبحاث إلى أوراق شكلية بلا قيمة.

وهنا تصبح الحقيقة قاسية ولكن لا مفر منها: أي نظام لا يمتلك مستشفيات جامعية حقيقية، ولا أساتذة متفرغين، ولا نظام تقييم قائم على الكفاءة، هو نظام ينتج خطراً مؤجلاً على المجتمع.

إن المريض لا يهمه اسم الشهادة، وإنما يهمه أن الطبيب قادر. والطبيب لا يحتاج لقباً بقدر ما يحتاج بيئة تصنعه. والوطن لا يحتمل المجازفة في صحة الإنسان.

وهنا يبرز السؤال الذي لا يمكن الهروب منه: هل ما لدينا من تعليم طبي وتدريب سريري وبحث علمي يمتلك هذه الإمكانات والمقومات ويمنح هذه المخرجات كما هي في العالم المتقدم، أم أننا أمام منظومة تحمل الشكل وتفتقد الجوهر؟

 

 

 

 

 

 

 

.

شاهد أيضاً

رسائل ومظاريف بريدية قديمة مع طوابع وخريطة توضح مسار مراسلات دولية على طاولة خشبية.

من الرقّاص إلى الإيميل: كيف فقدنا دفء الرسائل؟

خلود الفلاح في التسعينيات تقريبا، نصحني صديق ـ كان من هواة المراسلة في الصحف والمجلات …