منصة الصباح
الضحك ليس مجرد متعة عابرة، بل دواء زهيد
الضحك ليس مجرد متعة عابرة، بل دواء زهيد

الضحك ليس مجرد متعة عابرة، بل دواء زهيد

في لحظة تتسم بالعبثية الخالصة، يعثر المرء أحياناً على الحقيقة الأكثر عمقاً عن الوجود البشري. تخيل طفليك يرقبانك بنظرات ملؤها الدهاء وأنت تحمل مرتبة ثقيلة تصطدم بها بالحائط، أو يوثقان سرّاً لحظة إزالة شعر أنفك استعداداً ليوم عمل شاق؛ مقاطع مصورة في “أسوأ اللحظات”، تتكرر إعادتها على مر السنين لتتحول من مصدر إحراج عائلي إلى طقس مقدس من الضحك المتواصل.

هذا السيناريو الذي عاشه أحد صحفيي شبكة (CNN) مع ولديه اللذين أصبحت طفولتهما ذكرى في أروقة الجامعة اليوم، يطرح سؤالاً جوهرياً في عصرنا الراهن: لماذا نضحك عندما يميل كل شيء حولنا إلى الانهيار؟

ملاذ في زمن الأزمات الممتدة

إننا نعيش في حقبة يتغذى فيها التوتر على الأخبار اليومية؛ من الصراعات المسلحة في أوكرانيا وإيران، إلى حدة الاستقطاب السياسي، وصولاً إلى كاهل التضخم القاسي وتداعيات التغير المناخي. أمام هذا التكدس من الأزمات، يقف الإنسان أعزلاً وشاعراً بالعجز المطبق. وهنا تحديداً، تتجلى “المفارقة العلاجية” للضحك؛ فهو لن يوقف الحروب ولن يصلح الاقتصاد، لكنه يغير زاوية رؤيتنا للمكان الذي نغلبه وتغلبنا فيه الحياة.

وصفة بايرون المفترضة وغياب “لوبي” الفرح

في مسقط رأس الشاعر الإنجليزي لورد بايرون، تلوح لوحة تحمل نصيحته الخالدة: “اضحك دومًا عندما تستطيع.. إنه دواء زهيد الثمن”. غير أن منظومة الرعاية الصحية الحديثة، التي اعتادت اختزال التعافي في العقاقير الكيميائية المنتجة داخل المختبرات، تميل دائماً إلى التقليل من شأن الأنشطة الموجهة نحو “تعزيز الرفاه”. وكما تعبر الباحثة كرامر، فإن المجتمع العلمي يفضل الأرقام الحادة التي تقيس نسب انخفاض الوفيات، متجاهلاً الأثر النفسي المتراكم للفرح. بل إن الخبير والكوميدي كرايغ شوميكر يختصر الأمر بمرارة ساخرة: “الضحك مهم جداً لصحتنا، لكنه أُهمل تماماً لأنه لا يملك مجموعة ضغط (Lobby) تدافع عنه في أروقة السياسة والمال”.

من “لوفماستر” إلى معجزات التعافي

لم تكن الفوائد الصحية للضحك مجرد نظرية أكاديمية بالنسبة لشوميكر، بل اكتشافاً ميدانياً مذهلاً. ففي تسعينيات القرن الماضي، ابتكر شخصيته الشهيرة “لوفماستر” (Lovemaster)—ذاك الرجل المفرط في ثقته بنفسه والذي يوزع عبارات الغزل بصوت عميق ورخيم. لم يكن يعلم أن هذه العروض الساخرة ستتعدى حدود الترفيه؛ إذ فاجأه زوجان من ميشيغان تشخص حالة أحدهما بعدم القدرة على الإنجاب، مؤكدين أن ليلة من الضحك العميق بددت كل التوتر المشتت، وكانت السبب المباشر في ولادة طفلتهما.

غير أن الاختبار الأكثر قسوة كان مع صديقه كاتب السيناريو مايكل غولدبرغ، الذي شُخص عام 2001 بسرطان الدماغ، وتوقع الأطباء ألا يتجاوز بقاؤه في الحياة ثلاثة أشهر. خاض شوميكر مع صديقه رحلة مكثفة اعتمدت على أدوات الكوميديا وإثارة إرادة العيش، ليس بهدف إنكار المرض، بل لتفكيك وطأة الألم. وكانت النتيجة أن غولدبرغ عاش 15 عاماً كاملة بعد التشخيص النهائي.

المساحة التي لا يطأها الاكتئاب

تؤكد هذه التجارب المتراكمة أن للضحك خصيصة استثنائية: إنه يخلق “منطقة محايدة” داخل الجهاز العصبي البشري. فمن المستحيل بيولوجياً ونفسياً أن تكون غاضباً أو مكتئباً في أوج لحظة ضحك صادقة. إنه يعيد ضبط البوصلة الذهنية، ويدعو الإنسان إلى استرداد زمام الأمور ولو لثوانٍ معدودة، مذكرين إيانا جميعاً بضرورة اقتطاع لحظات الفرح من براثن هذا العالم المجهد.

شاهد أيضاً

جانب من مراسم توقيع اتفاقية الشراكة الاستراتيجية بين الشركة العربية الدولية ليبيا والمجلس الدولي قرطاج للاستثمار في تونس بحضور ممثلي الطرفين.

العربية الدولية ليبيا توقّع شراكة مع قرطاج للاستثمار

الصباح | سعاد الفرجاني في خطوة تستهدف توسيع آفاق التعاون الاقتصادي والاستثماري بين ليبيا وتونس، …