منصة الصباح
د.عبد الله محمد أطبيقه
الدكتور عبدالله محمد أطبيقه قسم الإعلام جامعة سرت

بين نصوص القانون والتفاف جدول المرتبات الموحد: الأستاذ الجامعي في ليبيا وصراع الحقوق المهدورة

في الوقت الذي تُعلن فيه حكومات العالم عن استثمارها الأكبر في مجالات التعليم العالي والبحث العلمي كركيزة أساسية لبناء الاقتصاد المعرفي وتطوير مؤسسات الدولة، يواجه الأستاذ الجامعي في ليبيا واقعاً مهنياً معقداً يكتنفه الغموض وعدم اليقين، فبين نصوص القوانين الصريحة الصادرة عن السلطة التشريعية والتنفيذية، والتي يُفترض أنها حسمت مكانته وحقوقه، وبين الآليات التنفيذية ومشاريع جدول المرتبات الموحد التي تُفرغ تلك القرارات والتشريعات من محتواها، يجد الأكاديمي الليبي نفسه يصارع من أجل الحفاظ على أدنى مستويات الاستقرار المعيشي والمهني.

شرعية التشريع وقرارات الاعتماد وازدواجية التنفيذ

لقد شخّص مقترح قانون المرتبات المعدل رقم (34) لسنة 2023 الصادر عن مجلس النواب طبيعة العمل الأكاديمي والبحثي بشكل استثنائي، حيث أقرّ علاوة تميز مقابل الأداء بنسب تصل إلى 200% لدرجات هيئة التدريس، ولم تكن هذه النسبة مجرد امتياز مالي عابر، بل جاءت تقديراً للجهد الذهني والسنوات الطويلة المستثمرة في التحصيل العلمي، واستجابة لواقع التضخم الاقتصادي الذي ينهك المواطن الليبي بشكل عام والأكاديمي بشكل خاص.

وتأكيداً لهذا الحق ومشروعيته، أصدر مجلس الوزراء بحكومة الوحدة الوطنية القرار رقم (446) لسنة 2024 بشأن اعتماد مرتبات أعضاء هيئة التدريس والمعيدين في الجامعات والكليات التقنية، ليمثل سنداً تنظيمياً وتنفيذياً إضافياً يكرّس هذه الحقوق ويضعها موضع التنفيذ الرسمي.

إلا أن الصدمة الحقيقية تكمن في طريقة التعاطي العملي مع هذه النصوص والقرارات النافذة، فعوضاً عن الالتزام بالمرجعية القانونية واللائحة المعتمدة، تسعى مقترحات وآليات تطبيق للجدول الموحد إلى الالتفاف على القانون وتهميش الأكاديميين عبر خفض علاوة التميز من النسبة المقررة إلى مستويات دُنيا (مثل 50%)، مساوية بذلك بين من يقضي حياته في المختبرات والمكتبات العلمية وتأطير أجيال الغد، وبين المهام الإدارية الاعتيادية، ومُعطلةً بذذلك الغاية الأساسية من وراء القرار (446) لسنة 2024.

تداعيات خفض المرتبات والمستحقات على المنظومة الأكاديمية

إن تقليص علاوة التميز وانتقاص المرتبات الفعلية تحت غطاء “الجدول الموحد” متجاوزاً القرارات السيادية المعتمدة (مثل القرار 446 لسنة 2024)، لا يُمثل مجرد خصم مالي في كشف المرتب بنهاية الشهر، بل يمتد ليكون ضربة في قلب العملية التعليمية والبحثية برمّتها:

 ● ضرب الأمان المعيشي والاحتراق المهني: عندما يرى الأستاذ الجامعي مرتبه يتقزّم أمام التضخم المتصاعد، يُصبح تحت ضغط نفسي ومعيشي دائم، مما يضطره إلى استنزاف طاقته في التفكير ببدائل معيشية تُنهك تركيزه الذهني وتشتت عطاءه في القاعات والمختبرات.

 ● استنزاف دافعية الإنتاج العلمي: الإشراف على رسائل الدكتوراه والماجستير، ومراجعة المقترحات البحثية، وإدارة المجلات واللجان العلمية المحكّمة، أضحت في ظل تجميد المستحقات وتقليص العلاوات أعمالاً تُنجز بشق الأنفس وبدافع أخلاقي محض، في ظل غياب أي دعم مؤسسي يُذكر وعدم تقاضي مستحقاتها من عام 2014.

 ●مخاطر الهجرة الفكرية: إن الشعور بعدم التقدير المؤسسي وتراجع المكانة الاعتبارية للأستاذ الجامعي يشكل بيئة طاردة للعقول، ويُحفز الكفاءات الوطنية الشابة والخبرات المخضرمة على البحث عن بيئات عمل إقليمية ودولية تحترم قيمتها المعرفية والمالية.

الطريق نحو الإصلاح.. الواجب والمسؤولية

إن معالجة هذه الأزمة لا تتطلب حلولاً ترقيعية، بل تستوجب إرادة حقيقية من كافة أطراف السلطة في ليبيا عبر خطوات عملية محددة:

 ● التفعيل الكامل للقرارات والتشريعات الصادرة: الالتزام المطلق بالقوانين الصادرة عن مجلس النواب والقرار رقم (446) لسنة 2024 الصادر عن مجلس الوزراء بشأن اعتماد مرتبات أعضاء هيئة التدريس والمعيدين، دون استقطاع أو تكييف يسلب هذه التشريعات روح هدفها.

 ● إبعاد التعليم العالي عن ضغوط الموازنات التقشفية: التعامل مع قطاع التعليم العالي كاستثمار قطاعي سيادي، وليس كبند مصاريف قابلة للضغط أو الخفض.

● جدولة المتأخرات والإفراجات المالية: الإسراع في تسوية كافة المستحقات المالية لأعضاء هيئة التدريس المتعلقة بالإشراف والترقيات العلمية والتفرغ الأكاديمي.

إن الأستاذ الجامعي في ليبيا لا يطالب بامتيازات فارهة، بل يطالب بتطبيق القوانين المعتمدة والقرارات السيادية ذات العلاقة (وفي مقدمتها القرار 446 لسنة 2024) والحفاظ على حقوقه المكتسبة، ليبقى قادراً على أداء رسالته العلمية والوطنية بكل كفاءة واقتدار..

د. عبدالله محمد أطبيقه

شاهد أيضاً

د. علي عاشور

جدول لا يُرضي… ودينار لا يُجدي

باختصار اجتمع صباح الإثنين أعضاء مجلس النواب لمناقشة جدول المرتبات بعد أكثر من شهرين من …