منصة الصباح
تصميم بصري يجمع مشاهد من الأزياء التقليدية الليبية وتطور الملابس عبر الزمن، مع صور لشخصيات تاريخية وأزياء معروضة داخل متحف، في إشارة إلى ارتباط الملابس بالهوية والذاكرة الثقافية.
صورة توضيحية تعرض مزيجاً من الأزياء التقليدية الليبية ومشاهد أرشيفية ومعروضات متحفية للأزياء، مسلطة الضوء على دور الملابس في التعبير عن الهوية الفردية والاجتماعية وتحولات الذوق والموضة عبر التاريخ.

الملابس والذاكرة :ما الذي تقوله ملابسنا عنا؟

إعداد : خلود الفلاح 

أعيش حكاية غريبة مع ملابسي، قد أرتدي قطعة ملابس نظيفة ومرتبة، لكن سرعان ما تنتابني لحظة ضيق وقلق كبيرين، لا أستطيع احتمالهما،هذه القطعة تلف جسدي كالكفن تماما،وكل ما أفعله دسها في ركن منزوي من الدولاب حتى لا تقع عليها عيناي في كل مرة أفتح دولاب ملابسي. والتخلص منها في أقرب وقت. وفي الألوان لا اقترب من البنفسجي باعتباره يجلب الحزن والاكتئاب. 

أعرف تماما أن هذه الأفكار والمعتقدات حول الملابس، وحول اللون البنفسجي تحديدًا، قد تكون أفكارا سيئة أو غير مبررة، لكنها تظل قادرة على توجيه اختياراتي. ولعل المثل الليبي: “كُول ما يعجبك، والبس ما يعجب الناس” يلخص هذه الحالة بدقة، فنحن، في كثير من الأحيان، لا نختار ملابسنا وفق ما نحب فقط، بل وفق الصورة التي نرغب في أن يراها الآخرون عنا.

في هذا الصدد، يشير الناقد الفرنسي رولان بارت (1915 – 1980) في كتابه “نظام الموضة” إلى أن الملابس إحدى وسائل التواصل، مثل الطعام والإيماءات، السلوكيات، إضافة إلى أنها وسيلة للتعبير عن هوية المجتمعات.

 

رولان بارت مؤلف كتاب “نظام الموضة”

 

هناك نظريات نفسية تؤكد أن اختيار الملابس وألوان معينة يعكس شخصيات مختلفة، ورغم اختلاف وتعدد وجهات النظر فيما يتعلق بمدى الاهتمام بالموضة الحديثة واتباعها فإن ما يتفق عليه الجميع أو أكثرهم هو الاهتمام بالمظهر.

ويمكن أن يكون للملابس تأثير مباشر في صحتنا العقلية أيضاً. فما يعرف بمصطلح “الإدراك الكسائي” هو نظرية توحي بأن الطريقة التي نرتدي بها الملابس لها تأثير مباشر في مزاجنا. من حيث كمية السعادة والحزن. 

البيشة والكبوط

رجل ليبي يرتدي الزي الليبي التقليدي ( الجرد) وامرأة ترتدي الزي الليبي التقليدي ( الردي)
رجل ليبي يرتدي الزي الليبي التقليدي ( الجرد) وامرأة ترتدي الزي الليبي التقليدي ( الردي)

يقول الكاتب والباحث في التاريخ الليبي عبد الحكيم الطويل، بعد أن تطورت ملابس خروج السيدة الليبية من الفراشية إلى زي “البيشة والكبوط” وما صاحبه من فستان أو تنورة الميني، سرعان ما تخلت الفتيات الشابات والصغيرات عن البيشة والتسمالوالكبوط والنظارات، واقتصر لباسهن على فساتين وتنورات الميني بما يتماشى مع موضات العالم وظروف الوظيفة والتسوق، وقد كانوا محقين في ذلك خصوصاً طالبات المدارس اللاتي انخرطن في الحركة الكشفية نظراً لطبيعة زي الدراسة الموحد وزي الكشافة العالمي ونشاطهم الحركي الذي فرض عليهم التحرر مما يعيق حركة الرأس والوجه، كما أن مجالات العمل في تلك الفترة شهدت إقبال كبير من السيدات الليبيات مما حتم عليهن منطقياً التخلي عما يعيق حركتهن، وكانت الفراشية من ضمن الأشياء التي وجب التخلي عنها.

ويضيف: “لم تحاول الفتاة الليبية تضييق تنورتها ولا فستانها لا من الخصر ولا من الصدر، وبقيت السيدات من كبار السن يحافظن على الكبوط والتسمال والنظارة السوداء في مناسباتهن الاجتماعية، إضافة إلى الفراشية التي لاتزال موجودة عند القلة من السيدات خارج المدن الكبرى. وزي فلكلوري ترتديه الشابات الصغيرات في المناسبات العامة التي تحتفي بالزي الوطن”.

ملابس المدن الساحلية

الملابس، هي القطعة الأكثر اقترابنا لأجسادنا، الجزء المرئي منا، طريقة اختيار ملابسنا تخبر شيئا، عن أفكارنا ومشاعرنا وطريقة حياتنا اليومية. الملابس الضيقة والملابس الواسعة، تتبع موضة كل فصل من فصول السنة، وألوانها. كل ذلك يروي تفاصيل علاقتنا مع الملابس. 

الباحث الليبي عبد الحكيم الطويل
الباحث الليبي عبد الحكيم الطويل

وعلى جانب آخر ـ تتابع خبيرة مهارات الاتصال والقيادة الشخصية زين غنما ـ أن الانطباع الأول الذي يأخذه الشخص عن الآخر، يعتمد على ما يراه، والانطباع الأول يتم أخذه عن طريق اللباس، ثم بعد ذلك تأتي السلوكيات والأفعال تعزز الانطباع الأول.

 

وتحدث الباحث عبد الحكيم الطويل عن مدى قبول المجتمع لخروج المرأة الليبية من الفراشية إلى لبس التنورة القصيرة، والسبب في ذلك أن مجتمعات المدن الليبية الساحلية تعودت منذ قرون على العيش ومعايشة الجاليات المتوسطية المسيحية واليهودية التي كانت تُقيم بالمدينة.

استمر لبس التنورة القصيرة إلى أواخر الثمانينيات حتى عودة الجماعات المتطرفة من أفغانستان ومحاربتهم لأي فكر حضاري ودعوا – بالترغيب والترهيب – النساء إلى اعتماد الجبة الخليجية السوداء.

ملابس البيت وكورونا

لا شك أن الأعياد الدينية من أكثر المواسم التي يتم خلالها الاحتفاء بالملابس واكسسواراتها والوانها، تزدحم المحلات ببشر من كل الفئات العمرية، الكل يفكر في ملابس العيد التي يجب أن تكون الأكثر جمال وأناقة. ودلالة على قوة القدرة الشرائية من أجل التباهي بين الأسر.

من عاداتي ليلة العيد عندما كنت صغيرة ترتيب ملابس العيد بطريقة جذابة الفستان والحذاء والجورب، والملابس الداخلية والأسورة والخاتم، والاستيقاظ قبل الجميع من أجل تسريحة الشعر التي تتفنن والدتي ـ رحمة الله عليها ـ في تنسيقها. كل شيء في تلك الليلة يشعرني بالسعادة والزهو.  

في وقت ـ جائحة فيروس كورونا ـ 2020، احتفلنا بملابس البيت بشكل جيد جدا، نؤدي مهامنا الوظيفية بملابس البيت، نشارك في حلقات نقاش اونلاين بملابس البيت، لكن هل نجحنا في نجاح مهمتنا؟ يعتقد البعض أن ارتداء الملابس خروج من البيت يهيئ عقولنا وأجسادنا ليوم العمل، ويجعل هنالك مسافة بين مفهوم ملابس المنزل وملابس العمل،معللين ذلك تأدية الوظيفة بملابس العمل قد تؤدي إلى شعور الاسترخاء والكسل. 

وفقاً لعلماء الأنثروبولوجيا، لا توجد معلومات حول متى بدأ البشر في استخدام الملابس. كان الإنسان القديم، الذي عاش قبل مليوني سنة، يلجأ إلى تغطية وحماية جسده بلف أوراق الأشجار، أو العشب المنسوج، أو لحاء الأشجار، أو العظام، أو الجمجمة، أو جلد الحيوانات الميتة. 

ثم عثر العلماء على إبر خياطة بسيطة مصنوعة من عظام الحيوانات، مما أكد تمكن الإنسان البدائي من خياطة ملابس جلدية وأخرى من الفرو منذ 30 ألف سنة. بعد ذلك عثر على أنواع أخرى من الإبر التي يعود تاريخها إلى ما قبل 41 000 إلى 15 000 سنة في سلوفينيا،وروسيا، والصين، وإسبانيا، وفرنسا. أما ألياف الكتان المصبوغة فقد عثر عليها في جورجيا ويعود تاريخها إلى 36000. 

الملابس في الأدب 

في كتاب (أورلاندو ـ منشورات دار العين ـ 2021 ـ ترجمة: أميرة بدوي)، تشير الروائية الانجليزية فيرجينيا وولف إلى أن للملابس وظائف أكثر أهمية من مجرد إبقائنا دافئين، لقد غيرت منظورنا للعالم ونظرتنا إليه. ربما هذه النظرة لها صلة بفكرة حادثة غرقها في مياه نهر أوس، حيث ملأت جيوب معطفها الكبيرة بالحجارة ودخلت إلى النهر القريب من منزلها إلى أن غرقت. الملابس هنا كانت وسيلة للموت. وهذا يقود إلى السؤال، عن العلاقة بين الملابس والوعي الشخصي والفهم الاجتماعي للذات.

أيضا، الكاتب المسرحي الانجليزي ويليام شكسبير استخدم بشكل كبير مسألة ارتداء الملابس الرجالية للشخصيات النسائية. فكانت مسرحية “تاجر البندقية” دليل على ذلك حيث ارتدت كانتا بورتيا وخادمتها ملابس الرجال للمرافعة في المحكمة نيابة عن التاجر المسيحي انطونيو ونجحوا في حيلتهم، كذلك ترتدي جيسيكا أبنة شيلوك ملابس رجل لتهرب مع حبيبها المسيحي. 

ولا تخلو الدراما من أفلام ومسلسلات تحتفي بالملابس مثل الفيلم الوثائقي DIANA VREELAND ، الذي يتحدث عن محررة الموضة الفرنسية DIANA (1903 ـ 1989 ) ودورها الكبير في الكتابة عن الموضة ومساعدة المصممين المبتدئين. ومجلات الموضة التي تولت رئاسة تحريرها.   

وتتحدث دراسة معنونة ب ” تطور اتجاهات الملابس: من التقليدية إلى الحديثة” عن تأثير التكنولوجيا في صناعة الأزياء، هذا الاستخدام المتزايد للتكنولوجيا في الموضة أدى إلى ظهور خيارات ملابس مستدامة وصديقة للبيئة. أما الطرق التي أثرت بها التكنولوجيا على اتجاهات الملابس الحديثة فكانت عبارة عن الملابس الذكية وهي ليست مجرد قطعة من القماش لتغطية الجسم. وإنما تحتوي الملابس الذكية على أجهزة استشعار وغيرها من المكونات الإلكترونية المضمنة فيها، مما يتيح لها التفاعل مع جسم مرتديها. على سبيل المثال، يمكن لبعض الملابس الذكية مراقبة معدل ضربات القلب. قلب مرتديها ودرجة حرارة الجسم وغيرها من العلامات الحيوية.

ويمكن القول إن الطباعة ثلاثية الأبعاد جعلت من الممكن إنشاء ملابس ذات تصميمات وأشكال معقدة لم تكن ممكنة من قبل. كما جعلت الطباعة ثلاثية الأبعاد من السهل على المصممين إنشاء ملابس مصممة خصيصاً تناسب جسم الشخص تماماً.

 خانق روحه بالقرواطة

الاحتفاء بالملابس ليس في كل الأحوال مصدرا للسعادة، فقد شهدت ليبيا في عقد الثمانينات من القرن الماضي رفضا قاطعا أو ربما قرار حكومي بمنع ارتداء ربطة العنق أو “القرواطة” بحسب القاموس المحلي الليبي.  بدعوى أنها ترمز للصليب.

مازالت أتذكر ذلك الإعلان الارشادي في إذاعة الجماهيرية الذي يأتي قبل نشرة أخبار التاسعة مساءً، مستعرضا فكرة “القرواطة” بعدد من الكلمات “خانق روحه بالقرواطه.. ناسي مصدرها بعباطه”. 

وفي بحثنا عن تاريخ “القرواطة” التي يعود تاريخها إلى بدايات القرن 16 وبالتحديد في الفترة بين (1618-1648) وهي فترة حرب الثلاثين عاما التي وقعت بين دول شمال ووسط أوروبا، حيث كانت النساء يلففن بها أعناق الذاهبون إلى الحرب تعبيرا منهن عن الحب. 

زي وطني موحد

في كل مدينة ليبية هناك احتفاء بالملابس التقليدية والتي تعبر عن هوية وتقاليد كل مدينة، ويظهر هذا الاحتفاء في المناسبات الاجتماعية والدينية والوطنية، حيث يصادف يوم 13 مارس من كل عام الاحتفال باليوم الوطني للزي الليبي، وهو من الحرف التقليدية التي تحاول أن تصمد في وجه المتغيرات الحياتية الليبية، على سبيل المثال الأسباب الاقتصادية بسبب تكاليفه المرتفعة.

وهو كذلك لباس يومي في أنواعه البسيطة، غير أن حضور هذا الزي بدأ يغيب شيئاً فشيئاً وبقي حكراً على الاحتفالات والأعياد ما جعل صناعته تشهد كساداً تجارياً، وبدأت أعداد المختصين في إنتاجه تقل لأسباب اقتصادية.

في يوم الاحتفال بالزي الوطني الليبي يحرص الرجال على ارتداء “البدعية” بسروالها المميز، وهي أشبه بالجاكيت المطرز عند حوافه بخيوط بارزة داكنة اللون، لكنّه طويل، كما يلتحفون بـ “الجرد”، وهو الرداء الذي ارتبط بفترة الجهاد الليبي.

أما الحولي عبارة عن قطعة قماش كبيرة تنسج من صوف الغنم، وغالباً ما يكون الحولي أبيض اللون، أما البني فنادر. وبعض النساء تتخذه مقصباً بالأسود أو البني وتتأرجح الجودة والسعر بين ما هو مصنوع من خيوط بنعومة الخيش، وبين النماذج المصنوعة من صوف ثقيل. ويكون بلونين الأبيض وهو السائد والبني ويطلق عليه عباءة. ويطلق عليه أحياناً (حولي) ويرجع ذلك إلى فترة إعداده التي تستغرق سنة كاملة تبدأ باختيار الصوف المناسب وتنظيفه من الشوائب ثم غزل الصوف، ومن ثم نسجه يدوياً.

وتحضر “الشنة” أو “الشاشية” في هذه المناسبة، وهي غطاء للرأس يرتديه الرجال، ويطلق عليها أيضاً الكبوس، والكلبوش، وأكمبوس، الطاقية الحرة، والطاقية الحمرة، الطاقية البيوضي، والتاجورية، والمصراتية. وألوانها لن تخرج من اللونين الأحمر والأسود، حيث كانت القبعة الحمراء تميز أهالي شرق البلاد، والسوداء يعتمرها أهالي غربها.

ولا يفوت المرأة الليبية المشاركة في يوم الزي الوطني، بمختلف أزيائها التاريخية، بداية من “الفراشية”، هي عبارة عن قطعة من الثياب تُلف حول أجسادهن لتغطيها تماماً باستثناء إحدى عينيها.

 

شاهد أيضاً

الشيشباني في يوم عاشوراء

عاشوراء في ليبيا.. حين تلتقي العبادة بالتراث الشعبي

يحل يوم عاشوراء من كل عام حاملاً معه أجواءً خاصة في المجتمع الليبي، حيث تمتزج …