منصة الصباح
د. علي عاشور

رِسَالَتِي الثَّالثَة إِلَى وَزِيرِ التَّعْلِيمِ العَالِي

باختصار

     لم تعد معاناة طلبة الدراسات العليا في جامعاتنا مقتصرة على صعوبة البحث العلمي أو تعقيداته المنهجية، بل تجاوزت ذلك إلى ما هو أكثر تعقيداً وإهانةً… إنها متاهة الإجراءات الإدارية التي تستهلك أعمارهم قبل أن تستنزف جهدهم، وتضيع أوقاتهم. 

في كواليس جامعاتنا وفروع أكاديميتنا الليبية، وبعيداً عن القاعات الدراسية، تدور حكايات صامتة لطلبة أنهكتهم المكاتب بعد أن تتعبهم الامتحانات…. قرارات تسجيل للخطط تتأخر، وعناوين رسائل تبقى حبيسة الأدراج لأسابيع وربما لشهور، وملفات تتنقل بين المكاتب حتى تبهت ملامحها أو تضيع… ليس لخلل علمي يذكر، بل لأن إجراء تم تعليقه إلى موعد غير محدد، أو توقيع مسؤول تأخر، أو لأن التفاصيل الإدارية الصغيرة تحولت إلى عوائق كبيرة تعترض طريق الطالب.

بيد أن الوجه الأكثر قسوة في هذه الأزمة لا يكمن فقط في التعقيد الاداري، بل فيما يتسلل إليه من مزاجية وعلاقات شخصية، تجعل بعض الاجراءات الإدارية رهينة للتوافقات والخلافات داخل الأقسام والكليات….. فكم من طالب وجد نفسه متأخراً عن زملائه لا لسبب علمي، بل لأنه وقع -دون قصد- في مساحة توتر بين مشرفه وأحد المسؤولين بالمؤسسة…. وحين لا تكون العلاقة على وفاق، يبدأ التعطيل والتمطيط…. يتأخر تسجيل البحث وترحل الإجراءات، وتتوقف معاملات المناقشة، وقد تمتد المعاناة حتى ما بعد إتمامها، حيث تتأخر القرارات أو تضيع بين المكاتب وكأنها لم تكن.

في المقابل، يتكرر مشهد آخر لا يقل وضوحاً… فحين يكون المشرف في موقع إداري، أو على وفاق مع المسؤولين، تنساب الإجراءات بسلاسة غير معهودة، وتنجز المعاملات في وقت قياسي يبهر الطالب نفسه، وكأننا أمام منظومتين مختلفتين داخل المؤسسة الواحدة…. وهنا تتجلى المفارقة المؤلمة: ليس الفرق في اللوائح، بل في طريقة تطبيقها…. وليس في القوانين، بل فيمن يملك مفاتيح تسريعها أو تعطيلها.

في خضم ذلك، يتحول طالب الدراسات العليا من باحث منشغل بتساؤله البحثي إلى متابع مرهق لتفاصيل إدارية لا تنتهي… ينشغل بتوقيع هنا أو ختم هناك، ومراجعة ملف عاد لأسباب شكلية، وانتظار قرار كان يمكن أن يصدر في يوم، فإذا به يمتد لأشهر وربما لسنوات…. وهنا، لا يكون الاستنزاف مادياً أو زمنياً فقط، بل ونفسياً أيضاً، حين يشعر الطالب أن مستقبله الأكاديمي قد يتأثر بعوامل لا علاقة لها بكفاءته أو اجتهاده.

معالي الوزير… أنت تعرف جيداً أن الجامعة التي ترهق طالبها بالإجراءات، وتتركه عرضة للمزاجية، تضعف جوهر رسالتها العلمية والمجتمعية… فما وجدت الإدارة إلا لتمهد وتيسر الطريق إلى العلم والمعرفة، لا لتتحول إلى عائق أمامهما… وحين يفقد الطالب ثقته في عدالة المسار الإداري، فإن ذلك ينعكس – بالضرورة – على ثقته في المنظومة التعليمية ككل.

إن تبسيط الإجراءات لم يعد ترفاً إدارياً، بل ضرورة تمليها العدالة الأكاديمية… يبدأ ذلك بوضع مسارات واضحة ومعلنة، يفهمها الجميع دون شرح، ولا يتم تأويلها أو الاجتهاد فيها، مع تحديد مدد زمنية ملزمة لكل إجراء، وتفعيل الخدمات الرقمية التي تضمن التسهيل والتسريع وعدم ضياع الملفات والمستندات، وتقليص المساحات التي تسمح للاجتهاد الشخصي بأن يتحول إلى سلطة غير مرئية تتحكم في مصائر الطلبة.

إنصاف طالب الدراسات العليا لا يكون فقط في توفير بيئة علمية وبحثية جيدة، بل أيضا في ضمان عدالة إدارية تحمي وقته وجهده ونفسيته من الضياع، وكرامته من أن تمسها أبواب مغلقة أو معاملات مؤجلة بسبب المزاجية.

هذه رسالتي الثالثة… وأملي أن تجد صداها، لأن إصلاح التعليم العالي لا يكتمل إلا حين يصبح الطريق إلى المعرفة واضحاً، ومحصناً من المزاجية، لا تعترضه عوائق كان يمكن -وببساطة- ألا تكون.

د. علي عاشور

شاهد أيضاً

د.علي المبروك أبوقرين

الفرصة والاستدامة

ليبيا لم تكن يومًا أرضا خالية من القدرة بل كانت أرضا أُرهقت بالظروف وتناوبت عليها …