د. مجدي الشبعاني
منذ اعتماد الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور في التاسع والعشرين من يوليو سنة 2017، ظل الجدل قائماً حول مستقبل هذا المشروع وموقعه في خارطة الحل السياسي الليبي. غير أن السؤال الذي لم يحظ بالنقاش الكافي هو: هل تملك أي جهة سياسية أو دولية أو محلية حق تجاوز مشروع الدستور بعد إنجازه، أم أن الأمر أصبح متعلقاً بحق أصيل للشعب الليبي وحده؟
إن أهمية هذا السؤال لا تنبع من الخلاف حول مضمون المشروع أو جودة نصوصه أو الملاحظات التي يمكن أن تثار بشأنه، فكل الدساتير البشرية تقبل النقد والتعديل والمراجعة، وإنما تنبع من طبيعة الجهة التي أنجزته والمرحلة التي وصل إليها.
لقد جاءت الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور نتيجة انتخاب مباشر من الشعب الليبي، بموجب الإعلان الدستوري وتعديلاته، ولا سيما التعديل الدستوري السابع لسنة 2014 الذي أرسى الإطار الدستوري لانتخاب الهيئة ومنحها اختصاصاً محدداً يتمثل في إعداد مشروع دستور دائم للبلاد. وبعد سنوات من العمل والنقاشات والجلسات والاستماع إلى مختلف الآراء والتيارات، انتهت الهيئة من أداء مهمتها وأقرت مشروع الدستور بالأغلبية المقررة قانوناً.
ومنذ تلك اللحظة تغير المركز القانوني للمشروع؛ فلم يعد مجرد أفكار أو مقترحات أو مسودة أولية قابلة للإهمال أو التجاهل، بل أصبح مشروعاً دستورياً رسمياً أعدته الجهة التي فوضها الشعب لهذه المهمة. كما اكتسب المشروع مركزاً قانونياً متميزاً بوصفه المخرج النهائي لهيئة منتخبة مارست اختصاصها الدستوري وأتمت مهمتها وفق الإجراءات المقررة، الأمر الذي يجعل التعامل معه وكأنه لم يوجد أصلاً أو تجاوزه دون استكمال مساره الطبيعي أمراً يثير تساؤلات قانونية ودستورية جوهرية.
وفي التجارب الدستورية المقارنة، لا يمثل إقرار الهيئة التأسيسية للمشروع نهاية العملية الدستورية، وإنما بداية مرحلة جديدة تتمثل في عرض المشروع على الشعب ليقول كلمته النهائية. فالشعوب هي صاحبة السلطة التأسيسية الأصلية، وهي وحدها التي تملك منح الشرعية النهائية للدستور أو رفضه. وقد شهدت تجارب عديدة، من بينها جنوب أفريقيا وتونس، انتقال مشاريع الدساتير من الهيئات التأسيسية إلى الاستفتاء أو الاعتماد الشعبي باعتبار أن صاحب الكلمة الأخيرة في المسألة الدستورية هو الشعب ذاته لا الهيئات المؤقتة أو الترتيبات الانتقالية.
ومن هنا تبرز الإشكالية الليبية؛ إذ انتقل النقاش السياسي خلال السنوات الماضية من كيفية تمكين الشعب من ممارسة حقه في الاستفتاء إلى البحث عن بدائل تتجاوز المشروع نفسه، وكأن الجهد الدستوري الذي استمر سنوات طويلة لم يكن موجوداً أصلاً.
وقد يذهب البعض إلى أن طول المدة الزمنية التي انقضت منذ اعتماد المشروع، أو تغير الظروف السياسية التي أحاطت بإعداده، يبرر البحث عن مسار دستوري جديد أو عن آليات بديلة. غير أن هذا الرأي يثير تساؤلاً جوهرياً: هل يؤدي مرور الزمن أو تعاقب الأجسام السياسية إلى إسقاط حق الشعب في التعبير عن رأيه في مشروع أُعد باسمه ومن خلال هيئة انتخبها بنفسه؟ وهل يبرر تعثر تنفيذ الاستحقاق الدستوري إهدار ما أُنجز من خطوات في سبيله؟
والواقع أن تجاوز مشروع الدستور يثير إشكاليتين أساسيتين:
الأولى، إشكالية تتعلق باحترام الإرادة الشعبية التي انتخبت الهيئة ومنحتها تفويضاً محدداً لإنجاز هذا المشروع.
والثانية، إشكالية تتعلق بالأمن القانوني واستقرار المؤسسات؛ إذ يصعب بناء دولة مستقرة إذا كانت المخرجات الوطنية الكبرى عرضة للإلغاء أو التجاوز كلما تبدلت الظروف السياسية أو تغيرت موازين القوى.
ولا يعني ذلك أن مشروع الدستور نص مقدس أو أنه فوق النقد والمراجعة، بل إن الدساتير بطبيعتها وثائق قابلة للتطوير. غير أن الطريق الطبيعي للتطوير يبدأ أولاً بالاحتكام إلى الشعب، لا بالقفز على إرادته أو استبدالها بإرادات أخرى.
كما أن استمرار المرحلة الانتقالية طوال هذه السنوات كشف عن حقيقة مهمة، وهي أن غياب الدستور لم يؤد إلى توسيع مساحة التوافق، بل ساهم في إدامة النزاعات حول الشرعية والاختصاصات وتوزيع السلطة وتفسير الاتفاقات السياسية المؤقتة.
إن الخطر الحقيقي لا يكمن في الاختلاف حول نصوص مشروع الدستور أو تقييم بعض أحكامه، وإنما في تكريس سابقة مؤداها أن الهيئات السياسية المؤقتة تستطيع تجاوز مخرجات هيئة تأسيسية منتخبة. فمثل هذه السابقة تمس جوهر مبدأ السيادة الشعبية، وتفتح الباب مستقبلاً لإهدار أي مخرج وطني كلما تبدلت موازين القوى أو تغيرت الأولويات السياسية، وهو ما قد يقوض الثقة في جدوى العمليات الانتخابية والاستحقاقات الوطنية الكبرى.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل مشروع الدستور مثالي أم لا؟
بل أصبح: من يملك حق منعه من الوصول إلى الشعب؟
وهنا تبرز مسألة أكثر عمقاً تتعلق بطبيعة السلطة التي تملك تقرير مصير المشروع. فإذا كانت الهيئة التأسيسية قد مارست اختصاصها المفوض لها وانتهت من إعداد المشروع، فإن التساؤل المشروع هو: هل يجوز للأجسام السياسية الانتقالية، التي نشأت أساساً لإدارة مرحلة مؤقتة، أن تحل محل السلطة التأسيسية الأصلية في تقرير مصير الوثيقة الدستورية أو في استبدالها بمسارات أخرى؟ إن الإجابة عن هذا السؤال تمس جوهر العلاقة بين الشرعية الشعبية والشرعية الانتقالية، وتحدد حدود ما تملكه الأجسام السياسية المؤقتة من صلاحيات تجاه الاستحقاقات الوطنية الكبرى.
فإذا كانت السيادة للشعب، وإذا كانت الهيئة منتخبة من الشعب، وإذا كان المشروع قد أُنجز وفق الإجراءات المقررة، فإن الكلمة النهائية يجب أن تبقى للشعب وحده.
أما أن تستمر الأجسام السياسية المتعاقبة في إدارة المرحلة الانتقالية دون أفق دستوري واضح، فذلك يعني عملياً بقاء الدولة رهينة ترتيبات مؤقتة صُممت لإدارة الأزمة لا لإنهائها.
لقد آن الأوان للعودة إلى أصل المسألة: ليس المطلوب فرض مشروع الدستور على الليبيين، وإنما تمكين الليبيين من أن يقولوا كلمتهم فيه. فحق الشعب في الاختيار لا يقل أهمية عن مضمون الاختيار نفسه.
كما أن مبدأ السيادة الشعبية، الذي يمثل حجر الزاوية في الفكر الدستوري الحديث، يقتضي أن تكون القرارات المؤسسة لمستقبل الدولة صادرة عن الشعب أو معروضة عليه بصورة مباشرة متى تعلق الأمر بالوثيقة الدستورية العليا. ومن ثم فإن تمكين الشعب من إبداء رأيه في مشروع الدستور لا يمثل منحة من أي سلطة، بل يعد استحقاقاً دستورياً وسياسياً ينسجم مع جوهر الشرعية الديمقراطية.
ولهذا فإن احترام الإرادة الشعبية يقتضي أن يكون الاحتكام إلى الشعب هو نقطة النهاية في المسار الدستوري، لا أن يبقى مشروع الدستور معلقاً بين الأدراج واللجان والمبادرات التي تتغير أسماؤها بينما تبقى الأزمة على حالها.
فالدساتير تُكتب لتؤسس الدول، أما المراحل الانتقالية فوظيفتها أن تنتهي، لا أن تتحول إلى نظام حكم دائم. بل إن بقاء المرحلة الانتقالية دون سقف دستوري واضح يهدد بتحويل الاستثناء إلى قاعدة، والمؤقت إلى دائم، ويجعل إدارة الأزمة بديلاً عن حلها، في حين أن الغاية الأصلية من كل المراحل الانتقالية هي الوصول إلى دولة المؤسسات الدستورية المستقرة التي يحتكم فيها الجميع إلى قواعد دائمة يقرها الشعب وتستمد شرعيتها منه.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية