منصة الصباح
جمعة بوكليب

” مَيّل يا غزيّل”

زايد…ناقص

لو كان للجمال والرقّة معبدٌ يحُجُّ إليه الناسُ، ويأتونه أفواجا، لكان شُيّد هندسيًّا على شكل غزال. فالجمال والرشاقة هما القاسم المشترك بين كل غزلان الدنيا إناثاً وذكوراً.

الغزالُ في لغتنا مفرد مذكر، ومؤنثه غزالة، وتصغيرهما غُزيّل وغُزيلة، والجمع غزلان. وأنواعها كثيرة، أشهرها بالنسبة لنا تلك التي تعيش في الصحراء، غير أن تلك التي تسكن بين أسوار المدن لا تقلّ عن شقيقاتها جمالاً ورقةً. الشاعر الغنائي المرحوم علي السُنّي كتب أغنية يصف فيها غزيل رأها في حارة من الحارات وأضاع أثرها، فراح يسأل الناس عنها، ويميّزها لهم بأمارة “بُوسة خوالي فوق حاجب عينه.”

أصل الكلمة يعود إلى الجذر الثلاثي (غَزَلَ)، ومنه تتفرع معانٍ تلتقي جميعها في نقطة الرقة والالتواء والحركة السريعة. فالغَزْل هو فتلُ الصوف أو القطن وتحويله إلى خيوط مترابطة، ومن هذا المعنى استعار العرب اللفظة للدلالة على التغزّل؛ أي فتل الكلام وتزيينه للمحبوب، كما تُفتل خيوط الغزل. وسُمّي الحيوان غزالاً لأن حركته والتفاته يفتنان الناظر، كأنه خيط يلتف حول القلب.

في مرحلة مراهقتنا، كانت الغزالات في حارات المدينة القديمة “محجوبات”. وحين يغادرن البيوت في طريقهن لقضاء حوائجهن أو زيارة أقاربهن، تلتحف أكثرهن البياض، فلا تبدو للناظر سوى عين واحدة.. عينٌ واحدة كانت كافية ليتصيّدن بها الغزلان من الشباب والرجال.

في “زنقة الرّبي نسيم -حاليًا زنقة جامع سليمان” بالحارة الكبيرة، اشتهرت غزالة اسمها مريم. كنّا فتياناً مراهقين مسمّرين في شوكات الوسعاية، وحين تمرّ بنا كنّا نغنّي لها “مَيّل ياغزيل”، مطلع أغنية اشتهرت وقتذاك للمطربة نجاح سلام، فتبتسم وتزهو في عيوننا الدنيا.

حين ظهرت وانتشرت أغنية بوعبعاب الشهيرة (ما جابوك عرب يا مريم)، كانت مريم قد وقعت فريسة بين يدي ابن تاجر ثريّ واختفت عن أبصارنا. وبقينا نحن، عشاقها المراهقين، مسمّرين في شوكات الوسعاية نجترّ حسراتنا.

جمعة بوكليب

شاهد أيضاً

عبدالسلام الغرياني

مجلة FI ALMUANATH تنشر مقالا عن الروائية نجوى بن شتوان، هذا ترجمته

نجوى بن شتوان.. صوت ليبيا الذي فتح أبواب الأدب العربي المعاصر ترجمة عبدالسلام الغرياني غدت …