الخبير الاقتصادي/ محمد الشحاتي
لم يعد إضراب المعلمين في ليبيا مجرد خلاف مهني حول قيمة المرتب أو بعض الاستحقاقات المالية، بل أصبح مؤشراً على اختلال أعمق في طريقة توزيع الإنفاق العام، وعلى غياب تصور اقتصادي واجتماعي متكامل يوازن بين العدالة في توزيع الثروة النفطية والكفاءة المهنية. فالمشكلة لا تتعلق بالمعلمين وحدهم، وإنما بالنموذج الذي تُوزّع من خلاله الإيرادات العامة على العاملين في الدولة، وبمدى قدرة هذا النموذج على الاستمرار دون أن يتحول كل قطاع إلى طرف يسعى إلى انتزاع حصة أكبر من الخزانة العامة من خلال المطالبات والضغوط النقابية.
ومن المهم عدم التقليل من مطالب المعلمين. فالتعليم خدمة أساسية، والمعلم يتحمل مسؤولية مباشرة في بناء رأس المال البشري، كما أن ضعف المرتبات وتراجع ظروف العمل قد يدفعان الكفاءات إلى مغادرة المهنة أو البحث عن مصادر دخل إضافية. ولا تقتصر المطالب المطروحة على المرتبات وحدها، بل تشمل أيضاً التأمين الصحي وتحسين بيئة العمل وتسوية بعض الاستحقاقات. ولذلك فإن معالجة الأزمة لا ينبغي أن تختزل في زيادة مالية، كما لا يصح أن تقتصر على مطالبة المعلمين بالعودة إلى الفصول دون معالجة الأسباب التي أدت إلى الاحتجاج.
لكن الاستجابة لمطالب قطاع واحد تطرح سؤالاً أوسع: كيف يمكن تلبية المطالب المشروعة دون فتح الباب أمام انتقالها إلى قطاعات أخرى، بما يجعل هيكل المرتبات العامة خاضعاً لتوازنات الضغط النقابي والقدرة على تعطيل الخدمات، بدلاً من أن يستند إلى قواعد اقتصادية واجتماعية واضحة؟ فالمخاطر لا تكمن فقط في الزيادة التي قد تتحملها الخزانة نتيجة تسوية مطالب المعلمين، وإنما في احتمال أن تصبح هذه التسوية سابقة تفاوضية تطالب القطاعات الأخرى بتطبيقها، دون وجود إطار عام يحدد أسس توزيع الإنفاق العام.
العدالة في اقتصاد ريعي لا تعني المساواة المطلقة ولا التفاوت الواسع
تختلف طبيعة توزيع الدخل في الاقتصاد الريعي عن تلك القائمة في الاقتصادات التي تعتمد أساساً على الضرائب والإنتاج. ففي الاقتصاد الضريبي، يرتبط جانب كبير من موارد الدولة بالنشاط الاقتصادي الذي يولد الضرائب، وتكون الفروق في الأجور مبررة بدرجة أكبر وفقاً للمهارات والخبرة والمسؤولية والإنتاجية وندرة التخصص. أما في الاقتصاد النفطي، فإن جزءاً مهماً من موارد الدولة يأتي من ملكية المجتمع للثروة الطبيعية، وليس من إنتاجية العاملين في القطاع العام وحدهم.
ومن هنا تبرز ضرورة التمييز بين عنصرين مختلفين في دخل الفرد. الأول هو نصيبه من الثروة العامة، باعتبار أن الإيرادات النفطية تمثل مورداً وطنياً لا يرتبط استحقاقه بالضرورة بالوظيفة التي يشغلها الفرد. والثاني هو المقابل الاقتصادي للعمل الذي يؤديه، والذي ينبغي أن يتفاوت وفقاً للمؤهلات والخبرة والمسؤولية وطبيعة الوظيفة ومدى الحاجة إلى التخصص الذي تتطلبه.
إن الخلط بين هذين العنصرين يجعل الوظيفة العامة الوسيلة الأساسية للحصول على نصيب الفرد من الثروة النفطية. وبهذا تصبح الوظيفة الحكومية، حتى عندما لا تكون هناك حاجة فعلية إليها، وسيلة لتوزيع الريع، الأمر الذي يساهم في تضخم الجهاز الإداري ويضعف الحافز للانتقال إلى القطاع الخاص. وفي المقابل، فإن الاعتماد على الكفاءة المهنية وحدها في تحديد المرتبات قد يؤدي إلى تفاوتات واسعة لا تتناسب مع طبيعة الاقتصاد الريعي، ولا تعكس حقيقة أن جزءاً من الموارد التي توزعها الدولة لا يمثل مقابلاً للعمل، وإنما يعود أصلاً إلى ملكية المجتمع للثروة الطبيعية.
وبالتالي، فإن العدالة لا تعني أن يتقاضى جميع العاملين المرتب نفسه، كما أن الكفاءة لا تعني أن تكون الفروق بين المرتبات مفتوحة وغير محدودة. المطلوب هو إيجاد توازن بين المكون المرتبط بنصيب الفرد من الثروة العامة، والمكون المرتبط بالقيمة المهنية والاقتصادية للعمل الذي يؤديه.
هل يمثل جدول المرتبات الموحد حلاً؟
إن توحيد جدول المرتبات لا يمثل في حد ذاته إصلاحاً اقتصادياً، ولا يمكن الحكم على جدواه بمجرد اعتماده أو توحيد المسميات والدرجات الوظيفية. فالسؤال الأساسي ليس ما إذا كان لدينا جدول واحد أو عدة جداول، وإنما ما هي الفلسفة التي تحكم توزيع الدخول داخله.
فإذا بُني الجدول الموحد أساساً على التدرج الإداري والمؤهلات والمسؤوليات، مع إعطاء أولوية شبه مطلقة للقيمة المهنية للوظيفة، فإنه قد يعيد إنتاج التفاوتات القائمة، حتى لو جرى توحيد المسميات والدرجات. وقد تصبح النتيجة جدولاً واحداً من الناحية الشكلية، لكنه يتضمن فروقاً واسعة في المرتبات والعلاوات والمزايا، بما يجعله في الواقع مجموعة من الجداول المختلفة.
وفي المقابل، فإن إلغاء الفروق المهنية بصورة كاملة لن يكون حلاً أيضاً؛ إذ لا يمكن التعامل مع جميع الوظائف باعتبارها متساوية من حيث المسؤولية أو المؤهلات أو ندرة التخصص أو ظروف العمل. فالمؤسسات تحتاج إلى الاحتفاظ بالكفاءات، كما أن بعض الوظائف تتطلب مهارات يصعب توفيرها، ولا بد أن ينعكس ذلك على المقابل المالي.
لكن هذه الفروق ينبغي أن تظل محدودة ومبررة ضمن إطار عام، وألا تتحول إلى وسيلة لمنح قطاعات أو مؤسسات بعينها مزايا استثنائية. فالعدالة الريعية تقتضي أن يكون الجزء الأساسي من دخل العاملين متقارباً نسبياً، بينما تقتصر الفروق المهنية على ما تقتضيه طبيعة العمل والمسؤولية والتخصص.
ومن هنا، فإن أي جدول موحد لا يأخذ في الاعتبار البعدين معاً، أي العدالة في توزيع الريع والكفاءة المهنية، لن يكون بالضرورة أكثر عدالة من النظام القائم. بل قد يمنح الاختلالات الحالية شكلاً قانونياً وإدارياً أكثر تنظيماً، دون أن يعالج أسبابها الاقتصادية والاجتماعية.
لماذا قد تتحول أزمة المعلمين إلى أزمة عامة في المرتبات؟
تكمن إحدى المشكلات الأساسية في أن توزيع الإيرادات النفطية أصبح مرتبطاً إلى حد كبير بالوظيفة العامة. فمع اتساع فاتورة المرتبات وتعدد الجهات الحكومية والجداول الخاصة، لم تعد الوظيفة مجرد علاقة تعاقدية بين الدولة والعامل، وإنما أصبحت بالنسبة إلى قطاعات واسعة من المجتمع إحدى أهم وسائل الحصول على نصيب من الثروة النفطية.
وفي ظل غياب قواعد موحدة ومقنعة لتحديد الفروق بين المرتبات، تصبح المطالبة بزيادة الأجور وسيلة طبيعية للدفاع عن المصالح القطاعية. وتكون قدرة كل قطاع على الحصول على مزايا إضافية مرتبطة أحياناً بقوة تنظيمه النقابي أو أهمية الخدمة التي يقدمها أو قدرته على تعطيلها.
وهذا يخلق مشكلة تتجاوز القدرة المالية للدولة. فحتى إذا استطاعت الخزانة الاستجابة لمطلب قطاع معين في سنة ترتفع فيها الإيرادات النفطية، فإن تعميم الزيادة على بقية القطاعات قد يؤدي إلى التزامات دائمة لا تتناسب مع تقلب الإيرادات النفطية. كما أن الزيادات المتتالية قد تؤدي إلى مزيد من الضغوط على الإنفاق الاستثماري والخدمات العامة، وربما إلى ضغوط نقدية وتضخمية إذا لم تقابلها موارد مستدامة.
ولا يعني ذلك أن مطالب العاملين غير مشروعة، وإنما يعني أن الاستجابة لها بصورة منفصلة، دون إطار اقتصادي عام، قد تنقل الأزمة من قطاع إلى آخر، وتجعل إصلاح المرتبات أكثر صعوبة بمرور الوقت.
خطة طريق لا تبدأ بمراجعة شاملة للمرتبات
قد يبدو منطقياً إدارياً الدعوة إلى مراجعة شاملة لجميع المرتبات والمزايا المالية في الجهات العامة، لكن مثل هذه العملية في البيئة الليبية قد تتحول إلى مسار طويل من الخلافات والتفاوض بين المؤسسات والقطاعات ومراكز النفوذ. وقد تنتهي إلى إعادة إنتاج التفاوتات القائمة، لأن الجهات الأكثر قدرة على التأثير في القرار ستكون أيضاً الأقدر على تحديد ما يُراجع وما يُستثنى.
لذلك، فإن نقطة البداية ينبغي ألا تكون إعادة تقييم كل وظيفة وكل موظف، وإنما الاتفاق أولاً على المبادئ التي يجب أن تحكم أي نظام جديد للأجور.
المبدأ الأول هو أن يكون الجزء الأساسي من المرتب متقارباً نسبياً بين العاملين في الدولة، بما يعكس البعد الاجتماعي لتوزيع الثروة النفطية. ولا يعني ذلك إلغاء التدرج الوظيفي، وإنما الحد من اتساع الفروق بين مستويات المرتبات، بحيث لا تتحول الاختلافات الإدارية إلى تفاوتات كبيرة في نصيب الأفراد من الإيرادات العامة.
والمبدأ الثاني هو الاعتراف بالكفاءة المهنية والمسؤولية وندرة التخصص من خلال فروق محددة ومحدودة، لا من خلال جداول استثنائية لكل قطاع. وينبغي أن تكون هذه الفروق قابلة للتطبيق على الوظائف المتشابهة في مختلف المؤسسات، بدلاً من ربطها بالجهة التي يعمل فيها الفرد أو بقدرتها على التفاوض مع الحكومة.
أما المبدأ الثالث، فهو الحد من الاستثناءات والتعديلات القطاعية المنفصلة. فكلما أصبح بإمكان جهة أو نقابة الحصول على جدول خاص أو علاوات إضافية خارج الإطار العام، تراجعت قيمة أي جدول موحد، وعادت المشكلة من خلال مسميات جديدة. ولذلك ينبغي أن تكون قواعد الاستثناء محددة ومقيدة، وألا تخضع لقرارات تفاوضية متكررة.
ويمكن تطبيق هذه المبادئ تدريجياً على التعيينات الجديدة والتسويات المستقبلية، مع معالجة الفروق القائمة على مدى زمني واضح، ودون اللجوء إلى تخفيض تعسفي للمكتسبات المالية الحالية. والهدف هنا ليس فتح مواجهة مع العاملين أو إعادة النظر في كل استحقاق قائم، وإنما منع استمرار تراكم الاختلالات نفسها في النظام الجديد.
العدالة لا ينبغي أن تقتصر على العاملين في القطاع العام
ثمة جانب آخر لا يقل أهمية، وهو أن العدالة في توزيع الثروة النفطية لا ينبغي أن ترتبط حصراً بالعمل لدى الدولة. فالفرد الذي يعمل في شركة خاصة أو يمارس نشاطاً إنتاجياً لا ينبغي أن يكون أقل نصيباً من الثروة الوطنية لمجرد أنه لا يشغل وظيفة حكومية.
وفي هذا السياق، يمكن دراسة نظام مساهمة ريعية ثابتة تقدمها الدولة للعاملين الليبيين في القطاع الخاص ضمن نظام توظيف رسمي، بحيث تتحمل الدولة جانباً من الدخل الذي يعكس نصيب الفرد من الثروة العامة، بينما يتحمل صاحب العمل مسؤولية دفع المقابل المرتبط بالمهارات والإنتاجية والقيمة الاقتصادية للعمل.
ويمكن أن يساعد هذا التوجه على تقليل الفجوة بين العمل الحكومي والعمل الخاص، وتشجيع انتقال العمالة الليبية إلى الأنشطة الإنتاجية والخدمية خارج الجهاز الإداري. كما أنه يتيح للدولة أن تدعم توظيف الليبيين دون أن تكون مضطرة إلى استيعابهم جميعاً في مؤسساتها.
ولا ينبغي النظر إلى هذا المقترح باعتباره حقاً نقدياً عاماً غير مشروط، بل باعتباره أداة انتقالية لربط جزء من المساهمة الريعية بالتوظيف المنتج، مع إمكانية البدء به بصورة تجريبية ومحدودة. ويتطلب ذلك قواعد واضحة للتحقق من وجود الوظيفة وصحة الأجور المدفوعة، ومنع استخدام المساهمة الحكومية لدعم الشركات الوهمية أو إحلالها محل الأجور التي ينبغي أن يتحملها أصحاب الأعمال.
وبالتوازي مع ذلك، ينبغي وضع إطار مالي متوسط الأجل يربط نمو الإنفاق على المرتبات بالإيرادات النفطية المستدامة، لا بالارتفاعات المؤقتة في الأسعار أو بالتوقعات المتفائلة. فالموارد النفطية متقلبة، والالتزامات المرتبطة بالأجور دائمة، ولا يمكن بناء سياسة مستدامة للمرتبات دون مراعاة هذا الاختلاف.
التعليم ليس مسألة مرتبات فقط
لا بد أيضاً من عدم اختزال أزمة التعليم في مسألة الأجور. فتحسين دخل المعلمين شرط مهم لاستقرار المهنة والاحتفاظ بالكفاءات، لكنه لا يكفي وحده لتحسين جودة التعليم. فذلك يتطلب تطوير المدارس والمناهج والتدريب والتقييم والإدارة التعليمية، وتحسين ظروف العمل وتوفير الأدوات اللازمة للعملية التعليمية.
وفي المقابل، لا يمكن مطالبة المعلم بتحسين الأداء دون توفير بيئة عمل مناسبة ومقابل مادي منصف. ولذلك ينبغي أن تكون معالجة الإضراب جزءاً من برنامج أوسع لتطوير التعليم، لا مجرد تسوية مالية مؤقتة تنتهي بعودة الدراسة ثم تعود معها أسباب الأزمة.
الخلاصة
إن إضراب المعلمين كشف عن مشكلة أعمق من الخلاف حول المرتبات، وهي غياب تصور واضح لكيفية توزيع الثروة النفطية بين العاملين في الدولة، وبينهم وبين العاملين خارج القطاع العام. والخطر الحقيقي لا يكمن في مطالب المعلمين وحدها، بل في احتمال تحولها إلى نموذج تتبعه بقية القطاعات، بحيث يصبح توزيع الإنفاق العام نتيجة لتوازنات الضغط والقدرة على التفاوض، لا نتيجة لسياسة وطنية تستند إلى معايير اقتصادية واجتماعية واضحة.
ومن هذا المنطلق، فإن السؤال ليس ما إذا كان جدول المرتبات الموحد حلاً للأزمة، بل ما إذا كان من الممكن تصميم جدول يقوم على فلسفة مختلفة لتوزيع الدخل في الاقتصاد الريعي. فلسفة تعترف بأن جزءاً من دخل الفرد يرتبط بنصيبه من الثروة العامة، بينما يرتبط الجزء الآخر بقيمة العمل والكفاءة والمسؤولية، وتمنع في الوقت نفسه أن تتحول الفروق المهنية إلى تفاوتات واسعة في توزيع الريع.
إن إصلاح المرتبات لا ينبغي أن يكون مجرد عملية إدارية لتوحيد الدرجات والمسميات، ولا مراجعة شاملة تفتح الباب أمام صراعات مؤسسية وسياسية جديدة. بل ينبغي أن يبدأ بتحديد قواعد عادلة ومحددة تحكم هيكل الأجور، وتحد من الاستثناءات، وتوازن بين العدالة والكفاءة، وتفتح المجال أمام القطاع الخاص لاستيعاب العمالة الليبية.
فالهدف النهائي ليس أن يحصل الجميع على المرتب نفسه، ولا أن تتحدد دخولهم حصراً وفقاً للقيمة السوقية لوظائفهم، وإنما بناء نظام يعكس طبيعة الاقتصاد الليبي: اقتصاداً يمتلك فيه المجتمع ثروة طبيعية مشتركة، ويحتاج في الوقت نفسه إلى مؤسسات وخدمات عامة كفؤة وقطاع خاص قادر على خلق فرص عمل وإنتاج قيمة مضافة.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية