بعد 14 يومًا من انتخاب رئيس جديد لمجلس النواب الليبي، كان قد ترأس لجنة الصداقة البرلمانية الليبية التركية بالمجلس، صوّت المجلس بالإجماع على اعتماد مذكرة التفاهم الموقعة بين حكومة الوفاق الوطني والجمهورية التركية بشأن تحديد مجالات الصلاحية البحرية في البحر الأبيض المتوسط، كما صوّت على إلغاء قراريه رقمي (1) و(6) لسنة 2020، بشأن رفض المصادقة على مذكرتي التفاهم المبرمتين بين حكومة الوفاق الوطني والحكومة التركية، وقطع العلاقات السياسية مع تركيا، دون إعلان مبررات واضحة لهذا التحول عن موقف استمر قرابة سبع سنوات.
وقد قوبلت هذه الخطوة بردود فعل متباينة محليًا ودوليًا، واختلفت التصريحات بشأنها، وتباينت منطلقاتها؛ فمنها ما رحب بها اعترافًا بحق ليبيا في اتخاذ القرارات وإبرام الاتفاقيات وحماية مصالحها، ومنها ما قابلها بالرفض، أو عكس نزوعًا إلى فرض الوصاية على القرار الليبي، أو تغليبًا لمصالح بعض الدول على ما تقتضيه سيادة الدول الأخرى وتكفله قواعد القانون الدولي والاتفاقيات الدولية.
ورغم ما تحمله هذه الخطوة من دلالة إيجابية، باعتبارها تعبيرًا عن تقارب بين شرق البلاد وغربها حول ملف يتعلق بالمصالح الوطنية، بعد سنوات من الانقسام وتباعد المواقف. فإنها تمثل بداية لإمكانية التوافق على مزيد من الملفات والاستحقاقات، وصولًا إلى إعادة بناء دولة موحدة، قادرة على التعبير عن إرادة واحدة وصوت أقوى في المطالبة بحقوقها، وتوظيف موقعها الجغرافي ومكانتها السياسية بما يخدم مصالحها، بعيدًا عن حالة الضعف التي أفرزها انقسام القرار وتعدد مراكز السلطة.
وفي المقابل، تفتح هذه الخطوة بابًا أوسع للتساؤل عن طبيعة عمل مجلس النواب وأداء أعضائه وآلية إصداره للقرارات. فإذا كان اعتماد المذكرة يُقدَّم الآن باعتباره محققًا لمكاسب لليبيا وحافظًا لحقوقها، فما مبرر تعطيله كل هذه السنوات؟ وهل ترتبت على هذا التعطيل خسائر، وما طبيعتها، ومن يتحمل مسؤوليتها؟ وما مبررات تراجع المجلس عن قرارات ظل يتبناها لسنوات؟
وإذا كان تغيير رئاسة المجلس قد تزامن مع هذا التحول، فإلى أي مدى كان أداء السلطة التشريعية وقراراتها متأثرًا بشخص رئيسها طوال هذه السنوات؟ وما الذي يمكن أن يتغير في بقية قرارات مجلس النواب ومواقفه؟
ولا يقف أثر هذا التحول عند حدود القرارات المتخذة، بل يمتد إلى الثقة في السلطة التشريعية ذاتها؛ لأن الثقة تُبنى على سلامة القرارات ووضوح مبرراتها، وثبات المعايير التي تحكمها، والقدرة على مراجعتها بشفافية وتحمل مسؤولية نتائجها. وهي ما يطمئن المواطن إلى قرارات المؤسسة ومواقفها المستقبلية.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية