الأورام في ليبيا لم تعد مشكلة صحية بسيطة يمكن التعامل معها بالحلول المؤقتة أو بإرسال بعض المرضى للعلاج في الخارج؛ فالحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح هي أن منظومة وطنية متكاملة للأورام بالمعنى الحديث ما زالت غائبة،
بينما تتزايد الحالات وتتأخر حالات كثيرة في الوصول إلى التشخيص، وتصل أعداد من المرضى إلى مراحل متقدمة ومعقدة، فيدفع المريض وأسرته ثمناً باهظاً من صحته وحياته ومدخراته وكرامته. والمشكلة تبدأ من أول الطريق فلا توجد منظومة تشخيص متكاملة ومستقرة تعمل بكفاءة في القطاع العام مختبرات وباثولوجيي وفحوص متقدمة غير مكتملة أو تفتقد التجهيز والتشغيل والكوادر المؤهلة، ونقص حاد في وسائل التشخيص الحديثة،
وفي الطب النووي والتصوير المتخصص والفحوص الجزيئية والجينية التي أصبحت جزءاً أساسياً من تشخيص أنواع عديدة من السرطان وتحديد العلاج المناسب لها. ثم تمتد الأزمة إلى العلاج نتيجة قلة شديدة في أطباء الأورام وجراحة الأورام
والتخصصات الدقيقة ونقص حاد في تمريض الأورام وندرة الفنيين والصيادلة المتخصصين، ونقص في الكوادر المؤهلة للعلاج الإشعاعي والطب النووي والخدمات المساندة والتأهيل والرعاية التلطيفية، مع غياب الخدمات المتكاملة التي يستطيع فيها المريض أن ينتقل من التشخيص إلى القرار العلاجي إلى الجراحة أو العلاج الدوائي أو الإشعاعي ثم التأهيل والمتابعة والرعاية التلطيفية داخل منظومة واحدة. أما الأدوية والعلاجات فقصتها أشد إرباكاً فحين تتوفر قد تكون ناقصة أو غير مستقرة أو غير مستمرة،
وقد تتغير الأنواع والمصادر والكميات فيجد المريض نفسه أمام سؤال لا ينبغي أن يطرحه مريض السرطان أصلاً وهو هل دوائي موجود اليوم؟ ولا توجد بالقدر المطلوب منظومة وطنية موحدة ومستقرة للبروتوكولات والمسارات العلاجية والسجلات الإلكترونية والبيانات التي تسمح بمعرفة حجم المشكلة ومراحل المرض ونتائج العلاج وجودته. وهكذا يتحول المريض إلى حلقة تدور في الفراغ،
التشخيص يتأخر والفحص يبحث عنه والعينة تنتظر والموعد يتأجل، والدواء يُبحث عنه والطبيب محدود العدد تحت ضغط هائل، وإحالة ثم سفر وفواتير تتصاعد، وأسرة تستنزف مدخراتها وممتلكاتها بينما يواصل المرض تقدمه. وهنا يجب أن نتوقف. لأن المريض لا ينبغي أن يدفع ثمن انهيار النظام الصحي من عمره وصحته وماله.
ولا ينبغي أن يتحول السرطان إلى عقوبة اجتماعية واقتصادية على الأسرة. ولا يجوز أن تكون فرص المريض في الحياة مرتبطة بقدرته المالية أو بعلاقاته أو بقدرته على السفر. إن الدولة التي تتحمل مسؤولية الصحة العامة تتحمل مسؤولية بناء منظومة تستطيع الوقاية من السرطان حيث يمكن الوقاية، والكشف عنه مبكراً حيث يمكن الكشف المبكر، وتشخيصه بدقة، وتحديد مرحلته وخصائصه، وعلاجه وفق أحدث الأدلة العلمية، وتأهيل المريض وتوفير الرعاية التلطيفية عندما يحتاج إليها. وهذا كله يجب أن يكون حقاً صحياً أصيلاً ومجانياً للمواطن وليس منحة ولا صدقة ولا استثناء.
والحل ليس في إجراء واحد. يجب أن تبدأ في الوقت نفسه حزمة وطنية متوازية وعاجلة ببرنامج وطني للكشف المبكر والوقاية، وسجل وطني إلكتروني موحد للسرطان، واستكمال وتشغيل المختبرات والباثولوجيا والتشخيص الجزيئي، وتوفير وسائل التصوير والطب النووي والعلاج الإشعاعي، وإنشاء مراكز أورام متكاملة، وتطوير جراحة الأورام بكل تخصصاتها، وتوفير الأدوية والعلاجات الحديثة بصورة مستقرة، وإعداد البروتوكولات الوطنية الموحدة، وبناء التمريض المتخصص والصيدلة المتخصصة والفنيين، وتطوير التأهيل والرعاية النفسية والتغذوية والتلطيفية.
وفي الوقت نفسه يجب أن تبدأ معركة بناء الكوادر وتدريب وابتعاث الأطباء والتمريض والفنيين والصيادلة إلى المراكز والجامعات العالمية المتقدمة، واستقدام الخبرات المؤهلة لفترات محددة، وإنشاء برامج تدريب وزمالات وشراكات علمية ونقل للمعرفة والتكنولوجيا، حتى لا تبقى ليبيا رهينة الاستقدام أو العلاج الخارجي إلى الأبد. والحالات التي لا يتوفر علاجها في الداخل يجب ألا تُترك لمصيرها. على الدولة أن تتحمل مسؤوليتها الطبية والمالية والأخلاقية كاملة، وأن تضمن علاج الليبيين الذين يحتاجون إلى خدمات غير متوفرة محلياً في مراكز عالمية متخصصة وموثوقة، وفق نظام إحالة طبي مؤسسي واضح، وبلا أن يتحول المريض إلى متسول للعلاج. لا نريد أن تكون الحلول مجرد شراء أجهزة باهظة، ولا مجرد استيراد أدوية، ولا مجرد زيادة أعداد المسافرين للعلاج.
نريد منظومة أورام تعرف عدد المرضى وأنواع السرطان وأين ومتى وكيف شُخّصوا، وتعرف مراحل المرض، وزمن الانتظار والعلاج الذي تلقوه وتقيس نتائجه، وتراجع جودة الجراحة والعلاج الإشعاعي والدوائي، وتتابع البقاء والوفيات والمضاعفات وتتعلم من نتائجها وتصحح أخطاءها.
نريد أن يدخل المريض الليبي إلى مركز الأورام فيجد أمامه فريقاً متكاملا وليس فرداً وملفاً إلكترونياً وليس أوراقاً متناثرة، وبروتوكولاً لا اجتهادات متباينة، وتشخيصاً دقيقاً، ودواءً مستقراً وعلاجاً متكاملاً، وتأهيلاً ورعاية تلطيفية تحفظ كرامته عندما يحتاج إليها. فالسرطان لا ينتظر والوقت في الأورام جزء من العلاج. كل يوم تأخير قد يعني انتقال المرض إلى مرحلة أكثر تعقيداً، وكل تشخيص متأخر قد يعني علاجاً أصعب، وكل نقص في خدمة أساسية قد يغيّر مسار حياة إنسان.
لقد فقدت أسر ليبية أحباءها، واستنزفت أسر أخرى سنوات من مدخراتها وممتلكاتها في مواجهة مرض كان يمكن في حالات منه الوقاية منه أو اكتشافه مبكراً أو علاجه بصورة أفضل لو وجدت المنظومة الصحيحة في الوقت الصحيح.
الأورام في ليبيا تحتاج إلى قرار وطني عاجل وليس حلول إسعافية متفرقة. وتحتاج إلى أن تتوقف الدولة عن التعامل مع كل مريض كحالة منفردة، وأن تبدأ بالتعامل مع السرطان كأولوية وطنية لها استراتيجية وتمويل وإدارة وبيانات وبنية تحتية وكوادر ومعايير ونتائج ومساءلة. فالإنفاق على علاج السرطان ليس هو المشكلة المشكلة أن تُنفق أموال هائلة دون أن تُبنى منظومة قادرة على إنقاذ حياة المريض بأفضل علم وأعلى جودة وأقل معاناة ممكنة. مريض السرطان يريد أن يُكتشف مرضه مبكراً إن أمكن.
ويريد تشخيصاً صحيحاً وطبيب متخصص. ويريد فريق طبي متكامل ودواء موثوق في موعده. ويريد عندما لا يتوفر العلاج في ليبيا أن تتحمل الدولة مسؤولية علاجه في المكان الأفضل القادر على علاجه. ولا ينبغي أن يُترك مريض سرطان ليواجه كل ذلك وحده. إنها مسؤولية الدولة وحق المريض وواجب النظام الصحي وامتحان حقيقي للضمير الوطني.
أنقذوا الإنسان قبل أن يصبح السرطان أقوى من النظام الصحي. فليبيا لا تحتاج إلى المزيد من الحلول المؤقتة لمرضى السرطان أو التجارة في مرضى السرطان ليبيا تحتاج إلى منظومة وطنية كاملة للأورام مجانية تحتكرها الدولة فقط، تبدأ من الوقاية والكشف المبكر ولا تنتهي إلا عندما يحصل آخر مريض على العلاج والرعاية والكرامة التي يستحقها بالمرافق العامة بأعلى كفاءة وجودة عالية ويمنع ويجرم ويحرم البيع وتقديم الخدمات لمرضى الأورام خارج المرافق الصحية العامة والتي يجب أن تكون بمستوى الخدمات بما هي عليه بالمستشفيات والمراكز العالمية المتقدمة.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية