منصة الصباح
أحلام محمد الكميشي

عندما يتحول الادعاء إلى مرجعية وهمية

في زمن تتدفق فيه المعلومات بسرعة غير مسبوقة، لم تعد المشكلة في ندرة الأخبار، بل في سهولة تداول ادعاءات على أنها حقائق دون تمحيص.

فكم من معلومة بدأت منشورًا شخصيًا أو سيرة ذاتية كتبها صاحبها عن نفسه، ثم أعيد نشرها في موقع أو وسيلة إعلامية أو كتاب، ثم استشهد بها آخرون حتى أصبحت مرجعًا يستند إليه الناس وكأنها حقيقة ثابتة.

المفارقة أن تكرار المعلومة لا يمنحها الصحة، كما أن نشرها في أكثر من منصة لا يعفي من السؤال الأساسي: ما مصدرها الأول؟ وهل خضعت للتحقق أم أنها انتقلت من مكان إلى آخر دون مراجعة؟ وما هو دليلها؟

في كثير من الأحيان يكتفي بعض العاملين في الإعلام أو التأليف بتلقي المعلومات من أصحابها مباشرة، ثم يعيدون صياغتها ونشرها دون مطالبة بالوثائق أو الرجوع إلى المصادر الأصلية.

وهكذا تتحول السيرة الذاتية إلى خبر، والخبر إلى مرجع، يستشهد به الآخرون، ومع مرور الوقت يصعب على القارئ العادي التمييز بين ما ثبت بالدليل وما استقر بالتكرار، لأنه يقبل السرديات كما هي دون أن يفككها إلى ادعاءات أو يبحث في السردية نفسها عن دليل اثباتها وأصل نشأتها.

الأمر لا يقتصر على الأفراد؛ فكثيرًا ما تُنشر وثائق أو شهادات مرفقة بتفسيرات مبالغ فيها، بينما يكشف الرجوع إلى النص الأصلي أن بعض التفسيرات لا أصل لها في الوثيقة، أو أنها تتجاوز ما تثبته الوثيقة.

وهنا يصبح الخلط بين الوقائع والتأويلات خطرًا حقيقيًا على وعي الجمهور، فالوقائع شيء والوصف المصاحب لها قد يكون شيء آخر، الوقائع لها دليل لكن الحديث عنها ليس بديلًا له، والثقة في الشخصية شيء، وفيما ينسب لها أو يقال عنها شيء آخر.

إن احترام الإنجازات الحقيقية لا يتعارض مع طلب الدليل عليها، بل إن الإنجاز الموثق يزداد قيمة كلما أمكن التحقق منه. أما المبالغات غير المدعومة بالمصادر فإنها تمنح الجميع نفس الهالة.

لهذا من المهم أن نسأل: أين المصدر الأصلي؟ فالمجتمعات التي تبني معرفتها على الوثائق والحقائق تصنع ثقة مستدامة، بينما المجتمعات التي تكتفي بتداول الادعاءات تفتح الباب لصناعة الهالات والمرجعيات الوهمية. وبين المعلومة والدعاية يقف التحقق بوصفه الضرورة المهنية التي لا غنى عنها.

أحلام محمد الكميشي

شاهد أيضاً

د. المهدي الخماس

حاول بقدر الإمكان

صباح الجمعة: د . المهدي الخماس ماشاء الله أقابل طلبة طب وأطباء حديثي التخرج ذوي …