جمعة بوكليب
زايد …ناقص
العجزُ عن امتلاك الأجنحة والرفيف كالطيور في سموات الله، القريبة والبعيدة، في زمن سابق، كان مدعاةً لحزن الإنسان وحسرته. ولأن الإنسان لا يستطيع أن يعيش حياته في حزنٍ وحسرةٍ دائمين، كان لا بد له من إيجاد وسيلة تُعينه على التغلب على مشكلته، وتُمكّنه من الرفرفة في السماوات البعيدة ومجاراة الطيور.
اخترع في البداية أجنحةً من ريش، تَشبّهاً بالطيور، وصعد إلى أسطح البيوت وإلى قمم الجبال العالية، ورمى بنفسه من فوقها. لكن المحاولات المتكررة أخفقت. ذلك الإخفاق زاد من تراكم حزنه وحسرته، وأعاده إلى التفكير في وسائل أخرى.
في تلك المحنة المزمنة، اكتشف الغناء. أدرك الانسان لدهشته أن بمقدور حزنه وحسرته أن يطيرا في الفضاء من دون أجنحة، بما يصدره من أصوات منغّمة من حنجرته. وأنه بدلاً من النظر إلى الطيور في السماء بحسرة وحزن، من الأفضل له أن يكفّ عن ذلك، وأن يحاول تحويل نظره عن السموات العالية إلى سموات قريبة غير مرئية، تكمن في داخله، في أعماقه، وما يعتمل فيها من مشاعر وأحاسيس.
وبذلك، طار الوجدان الإنساني محلقاً في الفضاء. ووجد الإنسان نفسه، مثل الطيور، طائراً مع الأنغام من دون حاجة إلى جناحين. الأنغام كانت أجنحته، والسموات بكافة أطيافها في أعماقه أضحت فضاءه. الغناء جعله قادراً على الطيران في كل الأجواء والمناخات الطقسية. وبذلك، للمرة الأولى، تغلب على عجزه في تخطي الجبال والسدود، والأنهار والبحار، والغابات والسهول.
أدرك الإنسان أن نغمات وآهات أعماقه حين تصدر منغّمة عبر حنجرته، أبقى وأعظم من أجنحة الطير. فالأخيرة لا تقاوم الزمن، أما أجنحة الغناء فلا يقدر الزمن على محوها، ولا يفتك بها الموت كما يفتك بالطيور. وهي قادرة على التحليق والرفيف في سماواتٍ قصيّة في الذاكرات والقلوب، في الأحزان والأفراح، تعيش مترحّلة عابرةً حواجز الحدود واللغات والأديان والأعراق، إلى طبقات فضائية يستحيل على الطيور بلوغها.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية