منصة الصباح
عبدالحكيم كشاد

هشاشة التفاهة !

تقدم حنا أرندت في كتابها ” أيخمان في القدس” تقرير عن تفاهة الشر الذي كتبته على إثر محاكمة أودلف أيخمان في أوائل الستينيات بسبب الجرائم المرتبطة بالحرب العالمية الثانية ، الفكرة صادمة حول طبيعة الشر و علاقته باﻹنسان العادي . تصف أرندت الشر بأنه قد لايصدر دائما عن وحوش استثنائيين قد يكون هؤلاء اﻷشخاص أناس عاديون للغاية يتحركون داخل أنظمة ضخمة دون تفكير نقدي .. في سياق محاكمة أودلف إيخمان صاغت إرندت مفهوم “تفاهة الشر ” والفاعل هنا ليس بالضرورة شيطانا واعيا والنموذج التي تقدمه عبر جلسات المحاكمة هو أيخمان نفسه موظفا صغيرا في آلة كبيرة . هذا التحليل لا يبرئ الفعل إنما يبين خطورة الاستهانة بالوظيفة الصغيرة داخل اﻷنظمة الكبيرة ، ﻷن هذه الوظائف حين تتكاثر تصنع كارثة تاريخية ، الفكرة اﻷعمق هنا ليست عن إيخمان إنما عن بنية الشر الذي يبني نفسه داخل هذه الشخصيات على تفاهتها ، دون حتى وعيها ، وتصل إلى أن الشر لا يحتاج دائما قادة عظماء فإن اﻷفراد أو الفئات الضغيرة حين تهمل على أنها غير مهمة ولا ينتبه إلى مساراتها يمكن أن تتحول إلى آلة أكبر بكثير من إدراكها . في اتجاه مختلف يقدم روجيه غارودي نقدا من داخل التجربة اليسارية السياسية الفرنسية في نقده للحزب الشيوعي ، يشير إلى أن الحزب في فترات معينة لم يحسن احتواء أطراف يسارية أو فكرية خارج الخط الرسمي فتركها تتجه إلى الهامش أو الخصومة ، هذا اﻹقصاء ساهم في فقدان تأثيره على شرائح كانت يمكن أن تكون جزءا من مشروعه السياسي . الفكرة هنا مشابهة ولكن من جهة معاكسة عندما لا يتم تفهم الفئات المختلفة داخل المعسكر نفسه ، عمال ، طلاب ، مثقفون ، رايدكاليون .فأن هذه الفئات قد تتحول إلى قوة احتجاجية خارج السيطرة . هذا ما ظهر بوضوح في أحداث مايو 1968 في فرنسا حين خرج الطلاب والعمال في احتجاجات ضخمة هزت النظام السياسي والاجتماعي ، هذه الفئات الصغيرة الشبه معزولة تحولت إلى خارج الجامعة في موجة اجتماعية كبرى ، وأن جزءا من انفجار هذه الحركة كان نتيجة تراكم اﻹقصاء ، وعدم الاستماع المبكر لتلك الفئات داخل المؤسسات السياسية والنقابية . وهو ما خلق فراغا استغلته قوى أخرى بالضرورة . وهكذا نعود من حيث بدأنا مع أرندت أن مايسمى التفاهة ليست خارج السياسة ، وأن الفئات التي يستهان بها ليست خارج التاريخ ، و الشر ليس حدثا استثنائيا دائما وأن ضبابية الرؤية هي ما تحجب بصيرتنا عنه في النهاية حتى يكبر .

شاهد أيضاً

د.علي المبروك أبوقرين

*بلادنا والصحة التي تستحقها*

في ذاكرتنا عقود طويلة من الضنك الذي أثقل كاهل أبائنا وأجدادنا، والفقر الذي قيد الأحلام …