منصة الصباح
ايناس احميدة

أين نحن من الفئات الأكثر هشاشة في دولة نفطية؟

تواصلت معي صديقة تعمل في إحدى المؤسسات الأهلية، طالبة المساعدة في تسجيل عدد من المواطنين ممن يعيشون تحت خط الهشاشة، لدعمهم بالأضاحي.

المهمة لم تكن صعبة، لكنها في الحقيقة كانت موجعة ودقيقة.

فالمشكلة لم تعد في العثور على محتاجين، بل في الاختيار بين الهشّ والأكثر هشاشة، بين من أنهكته المعيشة ومن سحقته بالكامل.

المعيار الذي اعتمدته المؤسسة كان أن لا يتجاوز دخل الأسرة ألفاً وأربعمائة دينار ليبي شهرياً.

رقم ثقيل الوطأة حين نتحدث عن دولة نفطية، لكنه للأسف واقع شريحة واسعة من الموظفين الخاضعين لجدول المرتبات الموحد، وهو دخل لا يعادل فعلياً سوى مئتي دولار أو أقل وفق سعر الصرف الموازي.

في أي بلد طبيعي، هذا الرقم بالكاد يكفي احتياجات شخصين من طعام ومواصلات وفواتير أساسية، فكيف حين يكون صاحبه أو صاحبته رب أسرة من أربعة أفراد؟

وكيف إذا كان أحد الأطفال مريضاً؟

وكيف إذا كان يعيل والدته أيضاً؟

أو يدفع إيجار منزل؟

أو يتحمل تبعات قضية اجتماعية؟

أو لا يملك سيارة في بلد أصبحت فيه التنقلات عبئاً يومياً وسط الازدحام وأزمات الوقود؟

أو يواجه مواسم المدارس والأعياد والدواء والكهرباء وحده؟

هنا بيننا آباء يقتطعون من صحتهم وكرامتهم ليطعموا أطفالهم، يصارعون الفقر والحاجة، وأمهات يدارين العجز تحت عباءة مهترئة.

وأسر كاملة تعيش على الحد الأدنى من الحياة في بلد يطفو على النفط، ويعجز عن توفير الحد الأدنى من الكرامة الاجتماعية لمواطنيه.

هذه الفئات لا تتحدث كثيراً، ولا تظهر في المشهد العام، يعيشون بيننا عفيفين، يخفون ضعفهم بابتسامة.

تتلقفهم جهات موسمية تحمل تسميات مشبوهة، وتظهر في ثوب الراعي والمتصدّق والداعم، تحت لافتات مؤسسات ومنظمات، بينما تغيب الدولة عن أبسط أدوارها تجاه مواطنيها الأكثر هشاشة، وتحول دورها في رعاية مواطنيها للمبادرات المؤقتة والصدقات الموسمية، تاركة مواطنيها من ذوي الدخل لمواجهة الفقر والعوز وغياب الحماية الاجتماعية وحدهم.

نكرر الاسئلة …كيف تحوّل المواطن في دولة نفطية إلى مشروع إعانة موسمية؟

وأين منظومات الحماية الاجتماعية؟

وأين العدالة في توزيع الثروة؟

وأين الدولة أصلاً من مواطنيها الأكثر هشاشة؟

لنمضي بلا إجابة، في ملء القوائم التي تكبر وتتمدد مع كل موسم!!

ايناس احميدة

شاهد أيضاً

عبدالسلام الغرياني

قراءة في كتاب غابرييل روكهيل: “من موّل عازفي الماركسية الغربية؟”

عن دورية DISSENT ترجمة عبدالسلام الغرياني ليس هذا الكتاب دراسةً في تاريخ الأفكار بالمعنى الأكاديمي …