في ذكرى إعصار دانيال وفيضان وسيول درنة في سبتمبر 2023 نستعيد واحدة من أكثر الكوارث ألما في تاريخ ليبيا الحديث ونترحم على شهدائنا جميعا ونسأل الله الرحمة لمن فقدوا حياتهم والصبر والسلوان لأسرهم وذويهم، والشفاء لكل من أصيب أو فقد بيته وأمنه وحياته الطبيعية. لقد كانت الكارثة الطبيعية قاسية، إنما حجم الخسائر لا تصنعه الطبيعة وحدها، وإنما يتحدد أيضا بمدى استعداد الدولة وقدرتها على التنبؤ بالمخاطر والإنذار المبكر والوقاية والاستجابة والإنقاذ والتعافي واستمرار الخدمات الأساسية.
ولذلك يجب ألا تبقى ذكرى دانيال مناسبة للحزن واستحضار المأساة فقط، وإنما ينبغي أن تتحول إلى درس وطني في بناء نظام صحي قادر على العمل قبل الكارثة وأثناءها وبعدها.
فالنظام الصحي القوي لا ينتظر وقوع الكارثة حتى يبدأ التفكير في الطوارئ إنما يمتلك مسبقا خرائط للمخاطر، ونظم إنذار مبكر، وخطط إخلاء، ومراكز قيادة وسيطرة واتصالات بديلة، وفرق إنقاذ وإسعاف مدربة، ومخزونات استراتيجية من الأدوية والمستلزمات والوقود والمياه، وقدرات لوجستية تمكنه من الوصول إلى المناطق المنكوبة حتى عندما تنهار الطرق وتتوقف الاتصالات والكهرباء.، والاستعداد الصحي للكوارث لا يبدأ من المستشفى وإنما يبدأ من منظومة وطنية متكاملة تعرف وظيفة كل مؤسسة وكل فريق وكل فرد في لحظة الطوارئ.
يجب أن تمتلك كل مؤسسة صحية خطة واضحة لاستمرارية العمل وأن تعرف كيف تحافظ على الكهرباء والمياه والأكسجين والأدوية وسلسلة التبريد والاتصالات، وكيف تنقل المرضى إذا أصبح المبنى غير آمن، وكيف تستمر خدمات الطوارئ والعناية الحرجة والولادة وغسيل الكلى وعلاج الأمراض المزمنة، وكيف تعمل عندما تتجاوز أعداد المصابين قدرتها الاستيعابية.
كما يجب أن تكون هناك مستشفيات ميدانية وفرق طبية متنقلة ومختبرات متنقلة وفرق صحة عامة قادرة على الانتشار السريع، لا أن تبدأ الدولة في البحث عنها بعد وقوع الكارثة.
وتكشف الكوارث أيضا أن الصحة ليست شأنا منفصلا عن بقية مؤسسات الدولة.
فالاستجابة الفعالة تحتاج قيادة موحدة وتنسيقا حقيقيا بين الصحة والدفاع المدني والبلديات والمياه والكهرباء والاتصالات والبيئة والأمن والبحث والإنقاذ والنقل، مع غرفة عمليات وطنية قادرة على جمع المعلومات وتحليلها واتخاذ القرار وتوزيع الموارد في الوقت المناسب. ويجب أن تصبح المحاكاة والتدريب على سيناريوهات الفيضانات والزلازل والأوبئة والحرائق والحوادث الجماعية جزءا دوريا من عمل المؤسسات الصحية، لأن الخطة التي لم تختبر في التدريب قد تنهار عند أول اختبار حقيقي.
والكارثة لا تنتهي بانحسار المياه أو إنقاذ المصابين؛ فقد تبدأ بعدها مرحلة أخرى من المخاطر الصحية، من تلوث المياه والغذاء وانتشار الأمراض المعدية ونواقل الأمراض، إلى فقدان الأدوية والتطعيمات وتعطل علاج الأمراض المزمنة، والإصابات والإعاقة والاضطرابات النفسية وفقدان المأوى وتشتت الأسر.
لذلك فإن إدارة الكوارث الصحية يجب أن تشمل الترصد الوبائي المبكر وفحص المياه والغذاء، ومكافحة العدوى والصحة البيئية والصحة النفسية، وإدارة الوفيات الجماعية، واستمرارية الرعاية للأمراض المزمنة، وتوثيق المصابين والنازحين والمفقودين، وإدارة المعلومات الصحية بصورة علمية دقيقة.
إن الدرس الأعمق من دانيال درنة هو أن مرونة النظام الصحي جزء من الأمن الوطني.
والدولة التي تريد نظاما صحيا قويا لا يكفيها أن تمتلك مستشفيات وأجهزة وأطباء وإنما يجب أن تمتلك القدرة على الاستمرار عندما تتعرض البنية التحتية للانهيار، وعندما تتضاعف أعداد المحتاجين للخدمة، وعندما تنقطع الطرق والكهرباء والاتصالات، وعندما تتزامن الكارثة مع وباء أو أزمة إنسانية أخرى.
فالمرونة تعني أن النظام يستطيع أن يمتص الصدمة ويستجيب لها، ويحافظ على وظائفه الأساسية ثم يتعافى ويعود أقوى مما كان.
والاستفادة من المساعدات الدولية والتعاون الإنساني والعلمي أمر مهم في الكوارث الكبرى، إنما الدولة القوية لا تجعل المساعدة الخارجية شرطا لبدء إنقاذ مواطنيها.
يجب أن تمتلك ليبيا قدرة وطنية أولية تستطيع العمل في الساعات الأولى والأيام الأولى، ثم تستفيد من الخبرة الدولية والتجهيزات والدعم باعتبارها إضافة إلى قدرتها الوطنية وليس بديلا عنها.
فالمساعدة الحقيقية تنجح عندما تجد أمامها دولة لديها مؤسسات وخطط وبيانات وقيادة وقدرات جاهزة للعمل. لذلك فإن الوفاء الحقيقي لشهداء درنة لا يكون باستحضار أسمائهم في ذكرى سنوية فقط، وإنما بتحويل المأساة إلى معرفة والمعرفة إلى خطط والخطط إلى مؤسسات، والمؤسسات إلى قدرة وطنية دائمة.
دانيال يجب أن يبقى في الذاكرة الليبية ليس باعتباره إعصارا وفيضانا أنهكا مدينة فحسب، وإنما باعتباره إنذارا تاريخيا بضرورة بناء دولة قادرة على الاستعداد والوقاية والإنقاذ والاستجابة والتعافي والاستمرار.
فالنظام الصحي الذي نريده لليبيا هو نظام لا ينتظر الكارثة حتى يتحرك ولا ينهار معها ولا يستمر رهينا للمساعدات، وإنما يتنبأ بالخطر قبل وقوعه، ويحمي الناس قدر الإمكان، ويستجيب بسرعة عندما تقع الكارثة، ويحافظ على حياة المرضى، ويستعيد خدماته، ويتعلم من كل تجربة.
تلك هي الرسالة التي ينبغي أن تبقى من درنة، وتلك هي الطريقة التي يمكن بها أن تتحول ذكرى مؤلمة إلى بداية لبناء منظومة صحية أكثر استعدادا ومرونة وسيادة وإنسانية.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية