منصة الصباح
جمعة بوكليب

” أروح لمين؟”

جمعة بوكليب
زايد..ناقص

 

ما الغرابة في أن تترك عصفورةٌ قفصَها وتطيرَ خارجه، محلّقةً في السماء، ترفرف بجناحين بريشٍ ملوّن؟ ولماذا الحزن؟
من طبيعة العصافير الطيرانُ، بل ولهذا الغرض تحديدًا خُلقَت السماواتُ فسيحةً عاليةً وجميلة. الغريبُ حقًا أن تبقى الأقفاصُ قائمةً في العقول والقلوب، مقفلةً بأبوابٍ صدئة لا تُفتح.

طارت العصفورةُ -عصفورتي- من القفص مؤخرًا و”أنا غافي”. فتحتْ بابَه في صباحٍ خريفيٍّ مشمسٍ بمنقارها الصغير، ورفرفتْ بجناحيها خارجه. وحين جئتُ لأراها لم أجدها في مكانها المعتاد. فما نفعُ القفص إذًا؟ ومن، يا تُرى، سيعوض الفراغَ الذي تركته في قلبي؟
طارتْ العصفورةُ –عصفورتي– ضاحكةً مستبشرةً بشبابها، وتركتْ لي القفصَ في عقلي والحزنَ يعربد في قلبي. من السهل أن أتخلصَ من القفص برميه في أقرب سلة مهملات، لكن ماذا أفعل بالحزن؟ هل، مثلاً، أسكب فوقه كيروسين وأشعل عودَ ثقابٍ فأحرقه؟ أم أتركه ذكرى أليمةً، تُعيد إليَّ، صباحًا ومساءً، صدى زقزقتها؟

طارتْ العصفورةُ –عصفورتي– لأن العصافير خُلقَت لتطير، ولأجلها خُلقَت السماوات. وعصفورتي حبيبتي طارت بعد أن كَبِرَت. كنتُ أرصدُ، بفرحٍ يشوبه حزنٌ، جناحيها ينموان على مهل، وريشهما يتلون شيئًا فشيئًا بألوانٍ رائعة، فيكبرُ فرحي وحزني معًا في قلبي كما يكبران. لكنها، ذات صباحٍ خريفي، فتحت باب القفص الصغير الذي لم يعد يسَعُها، ورفرفت فرحةً بجناحيها الجميلين خارجه، وطارت عاليًا مبتهجةً بحياةٍ جديدة، في سماواتٍ فسيحة لن أبلغَها.

طارت العصفورةُ -عصفورتي-. لن تدخل غرفتي صباحًا كعادتها وتقول: “صباح الخير يا بابا”. لن أسمعها تزقزقُ فرحةً وهي تردد أغنياتها المفضلة. وماذا أفعل بما تركَته من أشياء، في غرفتها، وعلى سريرها، وفي حنايا قلبي؟

طارت العصفورةُ -عصفورتي- من القفصِ – البيت، ولم تنسَ أن تأخذ بهجتَها وأحلامَها معها. بقيت ضحكتها عالقةً في المرايا، وبقي صدى خطواتها السريعة على السلم الخشبي في سمعي. وبقيتُ أنا مع القفص وحيدًا، حبيسَ الصدى والذكريات والحنين، متسائلًا: “أروح لمين؟”

شاهد أيضاً

د.علي المبروك أبوقرين

الكوادر الصحية هي العقل والعمود الفقري للنظام الصحي

ليبيا تقف أمام حقيقة لا يمكن تجاوزها إذا أرادت أن تعيد بناء نظامها الصحي وهي …