منصة الصباح
أحلام محمد الكميشي

المستقبل هو بيع ما تعرف.. لا ما تملك

يروي التاريخ قصص دول اعتقدت أن اعتمادها على ما تملك من ثروات وموارد، تختزنها الأرض، أو تفرضها الجغرافيا، أو يسمح بها العصر، كافٍ لضمان المستقبل. لكن عندما نضب المورد، أو تبدلت طرق التجارة، أو تغيرت القوانين، أو تطورت التكنولوجيا، أو تغيرت أولويات العرض والطلب، خسرت ما كانت تنعم به من ازدهار، وانهارت اقتصاداتها. فاكتشاف طرق بحرية جديدة وشق القنوات أطاحا بمدن على طريق الحرير بنت اقتصادها على موقعها الجغرافي. وأطاح اللؤلؤ المستزرع باقتصادات الدول التي اعتمدت على اللؤلؤ الطبيعي. وأطاحت اتفاقيات منع الرق بكل اقتصاد صمد لقرون على هذه التجارة. كما أطاح تغير ميزان القوة البحرية، وصعود الأساطيل الحديثة، باقتصادات دول قامت على الأعمال البحرية وفرض الإتاوات على السفن العابرة.

وبينما اغتنت جزيرة ناورو بفضل الفوسفات، وانهارت بعد نضوب هذه الثروة، لأنها لم تستثمرها، حتى أنها فشلت في العودة إلى اقتصاد الزراعة والصيد، بسبب تجريف أراضيها وتدمير شعابها المرجانية. أدركت سنغافورة أنها لا تمتلك نفطًا ولا معادن، فسارعت للاستثمار في الإنسان، والتعليم، والتدريب، والتكنولوجيا، والموانئ، وصناعة الرقائق الإلكترونية، وحولت ذلك إلى ثروة حقيقية، ما يعني أن الدولة لا تسقط بالضرورة عندما ينضب موردها، وإنما عندما تفشل في الاستثمار زمن الوفرة لبناء اقتصاد يستطيع الاستمرار بعدها.

ومع اتجاه العالم، بدرجات متفاوتة، إلى تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، والتوسع في مصادر الطاقة البديلة، وتحسين كفاءة الاستهلاك، قد لا يختفي النفط غدًا، لكنه لن يحتفظ بالمكانة نفسها التي صنع بها ثروات القرن العشرين. ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن يشغلنا: ماذا سنفعل عندما لا يعود النفط وحده كافيًا؟

قد تمنح الموارد الطبيعية دولةً ما ثراءً سريعًا، لكنها لا تمنحها مستقبلًا بالضرورة. أما المعرفة فقد لا تصنع الثراء بين ليلة وضحاها، لكنها تمنح القدرة على صناعة ثروة جديدة كلما تغير العالم. وهذا يلخصه تاريخ الاقتصاد العالمي في عبارة: هناك دول باعت ما تملك، ودول تبيع ما تعرف. الدول التي تبيع ما تعرف تستثمر في الإنسان كمورد أول، وتبيع المعرفة، والتقنية، والإدارة، والبحث العلمي، والابتكار، والخدمات، والصناعة عالية القيمة. وهذه ثروة لا تنضب لأنها تُستثمر ولا تُستهلك. وإذا كانت الموارد الطبيعية ميراثًا من الماضي أو الحاضر، فالمعرفة هي استثمار في المستقبل.

أحلام محمد الكميشي

شاهد أيضاً

د. علي عاشور

أَزَمَاتٌ تَشْتَد…وَصَبْرٌ يَمْتَد

د. علي عاشور    لم تعد الأزمات في ليبيا مجرد أحداث طارئة يمكن احتواؤها أو …