منصة الصباح
د.علي المبروك أبوقرين

الزهايمر في ليبيا ومسؤولية النظام الصحي والأسرة

د.علي المبروك أبوقرين

في 21 سبتمبر من كل عام يأتي اليوم العالمي للزهايمر ليذكر العالم بأن الخرف ومرض الزهايمر ليسا مجرد فقدان للذاكرة ولا نتيجة طبيعية وحتمية للتقدم في العمر، وإنما حالة مرضية معقدة ومزمنة قد تمتد آثارها لسنوات وتؤثر تدريجيا في الذاكرة والتفكير واللغة والإدراك والقدرة على أداء الأنشطة اليومية والسلوك والاستقلالية، وتحتاج إلى منظومة مستمرة من التشخيص والرعاية والدعم والتأهيل والمتابعة. وتأثير الخرف لا يقتصر على المريض وإنما يمتد إلى الأسرة ومقدمي الرعاية والمجتمع صحيا ونفسيا واجتماعيا واقتصاديا. وفي ليبيا لا ينبغي أن تمر هذه المناسبة باعتبارها يوما توعويا عاديا لأن خلف كل حالة زهايمر أسرة قد تدخل في رحلة طويلة من الإنهاك النفسي والجسدي والمالي، وفي كثير من الأحيان تجد نفسها أمام مرض يحتاج إلى رعاية مستمرة بينما لا توجد أمامها منظومة وطنية متكاملة للرعاية والخدمات المنزلية والتأهيل والدعم النفسي والاجتماعي والإرشاد الأسري والمتابعة المتخصصة. وعندما يغيب النظام الصحي المنظم تتحول الأسرة بصورة غير عادلة إلى الطبيب والممرض ومقدم الرعاية والمراقب والممول في الوقت نفسه. الزهايمر ليس مرضا بسيطا ولا تنتهي مسؤولية الرعاية بمجرد الوصول إلى التشخيص. فالمريض قد يحتاج إلى تقييم طبي متكرر ومراجعة للأدوية والأمراض المصاحبة ومتابعة للتغذية والحركة والنوم والسلوك، والوقاية من السقوط والجفاف وسوء التغذية والعدوى، ومعالجة اضطرابات البلع والحركة والتواصل، إضافة إلى الدعم النفسي والاجتماعي والتأهيل والرعاية المنزلية والرعاية في المراحل المتقدمة. وتؤكد الأدلة الحديثة أن إعادة التأهيل المصممة وفقا لاحتياجات الشخص يمكن أن تساعد في المحافظة على الوظائف والاستقلالية لفترة أطول، وأن الرعاية لا ينبغي أن تكون محصورة في المستشفى وللأسف لا توجد لدينا مستشفيات متخصصة لذلك وإنما تمتد إلى المنزل والمجتمع والرعاية طويلة الأمد. المشكلة العالمية نفسها تكشف حجم الفجوة التي يجب ألا تتجاهلها ليبيا فهناك أكثر من 55 مليون شخص يعيشون مع الخرف عالميا، ويعيش نحو 60% منهم في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل، بينما لا يحصل عدد كبير من المصابين على تشخيص رسمي أو دعم منظم. كما أن التكلفة الاقتصادية العالمية للخرف تجاوزت 1.3 تريليون دولار سنويا، وتشكل الرعاية غير المدفوعة التي تقدمها الأسر جزءا ضخما من هذه الكلفة. وهنا تكمن الرسالة الأهم لليبيا فلا يمكن التعامل مع الزهايمر بمنطق العيادة والوصفة الطبية فقط، ولا يجوز أن تترك الأسرة وحدها أمام مرض طويل ومعقد ومتغير المراحل. المطلوب برنامج وطني للخرف والزهايمر يبدأ بالتوعية والوقاية واكتشاف العلامات المبكرة، ويمر بالتشخيص الطبي المنظم والسجل الوطني للحالات، ويشمل الرعاية الأولية وطب الأسرة والشيخوخة والأعصاب والطب النفسي والتغذية والعلاج الوظيفي والطبيعي والنطق والتأهيل والرعاية التلطيفية، وينتهي إلى منظومة رعاية منزلية ومجتمعية ورعاية طويلة الأمد، مع تدريب مقدمي الرعاية وحمايتهم ودعمهم. وتبدأ الوقاية قبل ظهور المرض بسنوات طويلة من خلال مكافحة عوامل الخطورة القابلة للتعديل، وتعزيز النشاط البدني والصحة القلبية الوعائية والتغذية الصحية والسيطرة على ارتفاع ضغط الدم والسكري وعوامل الخطورة الأخرى، مع مكافحة العزلة الاجتماعية والتدهور الوظيفي والحسي. كما أن التوعية المجتمعية ضرورية حتى لا تفسر الأسرة تغيرات الذاكرة والسلوك باعتبارها مجرد شيخوخة طبيعية، ولا تؤخر التقييم الطبي حتى تتقدم الحالة بصورة يصعب معها التدخل المبكر. والأهم أن نبدأ بقياس المشكلة الليبية كما هي وليس كما نفترضها. لا يمكن وضع سياسة وطنية حقيقية من دون سجل وطني للخرف، وبيانات عن الحالات وأعمارها ومراحل المرض واحتياجاتها ومقدمي الرعاية والخدمات المتاحة والفجوات الجغرافية والاقتصادية. ما لا نعرف حجمه لا نستطيع التخطيط له وما لا نسجله لا نستطيع متابعته أو تحسين خدماته. في اليوم العالمي للزهايمر تستحق الأسر الليبية أن تسمع رسالة واضحة بأن مريض الزهايمر ليس عبئا والأسرة ليست مؤسسة صحية بديلة، والرعاية ليست شأنا خاصا تتحمله الأسرة وحدها. إنها مسؤولية صحية وإنسانية واجتماعية تستوجب أن يكون للمريض حقه في التشخيص والرعاية والتأهيل والدعم، وأن يكون لمقدم الرعاية حقه في المعرفة والتدريب والمساندة والحماية من الإنهاك. إن ليبيا تتزايد فيها الحاجة إلى رعاية كبار السن ولا يجب أن تنتظر حتى تتضاعف المشكلة. الزهايمر قضية صحية معقدة حاضرة اليوم بقوة وستصبح أكثر في السنوات القادمة، والاستجابة لها تبدأ من الاعتراف بها وبناء نظام وطني يجعل المريض وأسرته جزءا من منظومة الرعاية وليس ضحايا لغيابها. في 21 سبتمبر لا نحتاج إلى يوم آخر نتحدث فيه عن الزهايمر وإنما إلى بداية طريق يجعل ليبيا تعرف مرضاها، وتشخصهم مبكرا وترعى كرامتهم، وتساند أسرهم وتوفر لهم الرعاية في المكان الذي يعيشون فيه، وتمنحهم ما يستحقه الإنسان عندما يفقد تدريجيا بعضا من ذاكرته واستقلاله من دون أن يفقد حقه في الكرامة والرعاية والحياة.
حفظ الله الجميع

شاهد أيضاً

وزارة التعليم وغياب الحل..

إيناس احميدة يمضي العام الدراسي، وفق خطط وزارة التعليم، في أسبوعه الثاني، والمحصلة حتى الآن …