منصة الصباح
ياسمين الأحمر
الاستاذة ياسمين الاحمر باحثة جيولوجية وناشطة بيئية

أزمة المياه في ليبيا… أزمة إدارة لا أزمة موارد

ياسمين الأحمر

الأزمة التي شهدتها ليبيا مؤخرا في إمدادات المياه ليست أزمة شح في الموارد المائية بقدر ما هي أزمة إدارة وتشغيل، واختزال ما حدث في فكرة شح المياه هو تضليل للمواطن وهروب مؤسسي من الحقيقة؛ فالأزمة الراهنة كشفت بوضوح هشاشة العلاقة بين المياه والطاقة (Water-Energy Nexus)، وأظهرت أن الأمن المائي الليبي يعاني من هشاشة.

فنحن نعتمد بنسبة تتجاوز 90% على نقل مياه جوفية غير متجددة عبر مئات الكيلومترات باستخدام مضخات تعتمد كليا على شبكة كهرباء متهالكة، وعندما تصبح قطرة الماء رهينة لسلك كهربائي، فإن أي خلل في قطاع الطاقة سيتحول مباشرة لأزمة مياه.

الإدارة التشغيلية لا تزال تدار بمنطق ردود الأفعال وإطفاء الحرائق، بدلا من بناء منظومة استباقية مرنة قادرة على التعامل مع الأزمات، ويفاقم ذلك غياب الحوكمة والرقابة وضعف التنظيم وغياب جهة سيادية تضمن العدالة في توزيع المياه تحمي المنظومة من العبث وفي النهاية يتحمل المواطن وحده كلفة هذا الخلل.

عندما تنقطع مياه الشبكة يجد المواطن نفسه مضطرا للاعتماد على صهاريج المياه والمياه المعبأة ؛ إذ لم يتوقف الأمر على ضخ المياه فقط، بل توقفت أيضا مصانع المياه المعبأة التي يعتمد عليها معظم الليبيين كمصدر رئيسي لمياه الشرب، لتظهر أزمة نقص حادة في الأسواق رافقها ارتفاع كبير في الأسعار. وهذا يكشف حقيقة أن جميع بدائل مياه الشرب في ليبيا أصبحت مرتبطة بنقطة ضعف واحدة هي الكهرباء.. فإذا كان انقطاع التيار يؤدي في الوقت نفسه إلى توقف ضخ المياه وتعطل إنتاج المياه المعبأة، فإننا لا نواجه مجرد أزمة خدمات، بل خلل بنيوي في منظومة الأمن المائي، فالأمن المائي الحقيقي لايقاس بحجم المياه المتاحة في باطن لأرض، بل بقدرة الدولة على ضمان وصول مياه الشرب للمواطن صورة آمنة ومستقرة، حتى في أوقات الأزمات والطوارئ.

مشروع النهر الصناعي يمثل أحد أعظم الإنجازات الهندسية التي عرفتها ليبيا، وأدى دوره التاريخي لعقود، ولكن التعامل معه باعتباره الحل الأبدي أصبح خطأً استراتيجيا، ولا يعني ذلك التقليل من المشروع ولكنه يعتمد على خزانات جوفية أحفورية غير متجددة، كما أن امتداد خطوطه لمسافات طويلة يجعله أكثر عرضة للأعطال والانقطاعات والاعتداءات. ولذلك فإن تحسين الإدارة والصيانة، رغم أهميته، لن يخلق مورد مائي جديد، ولن يغير حقيقة أن المورد الذي يعتمد عليه محدود وغير متجدد.

مستقبل الأمن المائي في ليبيا يجب أن يقوم على إعادة تعريف دور النهر الصناعي، بحيث يتحول من المصدر الرئيسي الوحيد إلى مصدر استراتيجي داعم ضمن منظومة متكاملة لإدارة الموارد المائية، بينما تصبح تحلية مياه البحر المصدر الأساسي لتغذية المدن الساحلية ذات الكثافة السكانية العالية.

ومن الناحية العلمية، فإن التوسع في تحلية مياه البحر بإدماج منظومة الطاقة الشمسية يعد من أكثر الخيارات منطقية لدولة تمتلك أكثر من 1900 كيلومتر من السواحل، وإمكانات هائلة في الطاقة الشمسية، لكن بناء المحطات وحده لا يصنع تحول حقيقي بل قد يكرر المشكلات نفسها إذا أنشئت دون إصلاح مؤسسي إذا غابت الحوكمة والإدارة الرشيدة.

التحول الحقيقي يبدأ عندما تدار هذه المشاريع ضمن إطار سيادي يحمي المياه باعتبارها حق إنساني وسيادي لا سلعة خاضعة لمنطق الربح والخسارة، ولا للصفقات …

وبرأيي، فإن الأولوية الوطنية الأكثر إلحاحا اليوم تتمثل في إطلاق مشروع سيادي للتحلية المدمجة بالطاقة الشمسية، وإنشاء مخزون مائي استراتيجي محلي لكل بلدية تحت مظلة هيئة وطنية موحدة للحوكمة والإشراف.

المياه في ليبيا لم تعد مجرد ملف خدمي، بل أصبحت قضية أمن قومي وسيادة، وأخطر ما يواجه هذا القطاع ليس نقص الحلول أو الكفاءات، بل استمرار التأخر في اتخاذ القرار، حتى تتحول كل أزمة كهرباء إلى أزمة مياه.

 

شاهد أيضاً

​صورة تعبيرية لعضو لجنة السياسة النقدية بمصرف ليبيا المركزي الدكتور أيوب محمد الفارسي أمام مبنى مصرف ليبيا المركزي، في إطار تقرير حول خطة المصرف لمعالجة أزمة السيولة عبر الطباعة والدفع الإلكتروني لعام 2026.

عضو بلجنة السياسة النقدية: خطة المركزي تستهدف معالجة أزمة السيولة عبر الطباعة والدفع الإلكتروني

قال عضو لجنة السياسة النقدية بمصرف ليبيا المركزي، الدكتور أيوب محمد الفارسي، إن خطة المصرف …