منصة الصباح
د. علي عاشور

الوَفَاءُ… بَيْنَ الادِّعَاءِ وَالاخْتِفَاءِ

باختصار

الوفاء قيمة إنسانية عظيمة، لا تقوم المجتمعات إلا بها، ولا يستقيم ميزان العلاقات بدونها…  الوفاء ذلك الخيط غير المرئي الذي يربط الإنسان بمن أحسن إليه، ويجعل الذاكرة الاجتماعية أقل قسوة وأقل انتقائية، لكن المشكلة أن هذا الخيط في واقعنا المعاش قابل للقطع بسهولة، بل وكأنه يعامل كخيار ثانوي يستبدل عند أول منعطف في الطريق.

خذ مثلا الصديق الذي كان يعرفك أكثر من رقم هاتفه، يشاركك كل التفاصيل، ويقف معك في كل المواقف… ثم ما إن تتغير حياته أو يرتقي اجتماعيا أو وظيفياً، حتى يتحول الوصول إليه إلى مهمة معقدة تحتاج إلى محاولات متكررة ووساطات عائلية.

وفي بيئة العمل، تتضح الصورة بشكل أكثر قسوة…. الموظف الذي أفنى سنواته بين الملفات، وكان أول من يتم استدعاءه عند الأزمات، يتحول بعد سنوات إلى (اسم سابق) في أرشيف المؤسسة…. وبعد التقاعد يطوى ملفه كما تطوى صفحة انتهى زمنها، وكأن العطاء الطويل يمكن اختصاره في قرار إداري بارد.

أما في مجال التعليم، فالمشهد لا يقل وجعاً… فالمعلم الذي كان يؤثر في حياة طلابه ويعلمهم ويصبر عليهم سنوات طويلة، يتحول بعد ذلك إلى مجرد ذكرى بسيطة يذكر اسمه ومواقفه في (هدرزة) بأحد المآثم، وكأن كل ما قدمه من جهد لم يترك أثرا إنسانياً…. فلا المؤسسة التعليمية التي عمل فيها تتفقده في مرضه، ولا تسأل عنه في عزلته، ولا حتى تتذكره في مناسبة أو تكريم، وكأن علاقتهم به انتهت بمجرد تقاعده…. وحتى طلابه الذين كانوا يجلسون أمامه يومياً ويتعلمون منه، لا زيارة ولا سؤال، ولا اهتمام….  وكأن سنوات التعليم كانت مجرد مرحلة وانتهت دون أن تترك وفاء يذكر.

وهناك نوع آخر من الوفاء المفقود، هو أشد هدوءاً وأعمق أثراً… أشخاص كانوا يمرون بأزمات صعبة نفسية واجتماعية، وفي أشد تلك الظروف كان البعض يقف معهم بصدق وود وصبر طويلين، في وقت لم يكن فيه سوى الصمت أو الابتعاد…. ثم ما إن استقامت أمورهم وتحسنت حياتهم، حتى بدأ التلاشي التدريجي… اختفاء من الهاتف، وغياب من الذاكرة اليومية، وكأن العلاقة كانت مرحلة مؤقتة انتهت بانفراج الأزمة… فأي جحود هذا الذي يصبح فيه القريب السابق غريبا بلا سبب واضح، وكأن المودة القديمة كانت ظرفا عابرا انتهت صلاحيته بمجرد تحسن الأحوال؟…

المؤلم في الأمر أن الجميع تقريباً يشتكي من قلة الوفاء… بينما يمارسون أشكالا متعددة من النسيان المبرر…  انشغالات العمل، وظروف وضغوط الحياة، وربما النسيان… وكأن الذاكرة القيمية تحتاج إلى إجازة دائمة من حين لآخر.

وهكذا يتحول الوفاء من قيمة تمارس إلى كلمة تقال، ومن رابط إنساني إلى ذكرى جميلة لا تكلف شيئاً… إلا أن تطبق.

د. علي عاشور

شاهد أيضاً

قصي البسطامي

من اليسار الهابط إلى اليمين المتطرف الصاعد في أفريقيا، قراءة تحليلية حول التحولات السياسية والإجتماعية في ملف الهجرة غير الشرعية

قصي البسطامي حين تعجز الدولة عن حل أزماتها الراهنة، يندفع المواطنون غصبا إلى أن يحلّوا …