منصة الصباح
الشيشباني في يوم عاشوراء
عاشوراء في ليبيا.. حين تلتقي العبادة بالتراث الشعبي.. صورة من الإنترنت

عاشوراء في ليبيا.. حين تلتقي العبادة بالتراث الشعبي

يحل يوم عاشوراء من كل عام حاملاً معه أجواءً خاصة في المجتمع الليبي، حيث تمتزج العبادات الدينية بالعادات والتقاليد الشعبية التي توارثتها الأجيال عبر عقود طويلة

فإلى جانب صيام هذا اليوم اقتداءً بسنة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، تحرص العديد من الأسر الليبية على إحياء طقوس اجتماعية وتراثية تختلف من منطقة إلى أخرى، لكنها تتفق جميعاً في كونها مناسبة للفرح والتواصل والمحافظة على الموروث الشعبي.

استعدادات تبدأ مع رأس السنة الهجرية

لا تقتصر أجواء عاشوراء على يوم واحد فقط، بل تبدأ منذ ليلة رأس السنة الهجرية في عدد من المناطق الليبية، ومن العادات التي ما زال البعض يحافظ عليها رش الجير الأبيض أمام المنازل وتكحيل عيون الفتيات، إلى جانب إعداد لحم الرأس وطبخ “الدحي الأبيض”، اعتقاداً بأنه يجلب عاماً مليئاً بالخير والبركة، وهي معتقدات شعبية ارتبطت بالموروث الاجتماعي أكثر من ارتباطها بالممارسات الدينية.

 مائدة عاشوراء.. أطباق تختلف من مدينة إلى أخرى

تتميز المناسبة بحضور أطباق شعبية خاصة تعكس التنوع الثقافي في ليبيا. ففي الجنوب تحضر أطباق الهريسة والطقطاقة، بينما تشتهر العاصمة طرابلس بطبق “شيش باني” إلى جانب الفول والحمص، فيما يعرف شرق البلاد بطبق “جمل عاشورة”، أما في المنطقة الوسطى فتتمسك العديد من الأسر بإعداد “كسكسي الفتاشة” باستخدام عظام الأضاحي المتبقية من عيد الأضحى.

ورغم اختلاف الأسماء والمكونات، تبقى هذه الأطعمة جزءاً من ذاكرة الليبيين ووسيلة للحفاظ على هوية المجتمع وتراثه الشعبي.

الأطعمة الشهيرة في يوم عاشوراء
الأطعمة الشهيرة في يوم عاشوراء — صورة من الإنترنت

 “شيش باني”.. الشخصية الأشهر في عاشوراء

من أكثر الطقوس الشعبية ارتباطاً بعاشوراء في ليبيا شخصية “شيش باني” أو “شوش باني”، التي كانت تشكل محور احتفالات الأطفال بعد غروب شمس يوم عاشوراء.

فقد اعتاد الصغار قديماً الخروج إلى الشوارع حاملين “المخلاة” أو أكياس الخيش، بينما يصنعون شخصية شيش باني من أوراق الأشجار والخيش والورق، ويختارون أطولهم قامة لارتداء البرنوس وإضافة لحية مصنوعة من جلد الماعز، ليجوبوا الأزقة والبيوت وسط أجواء احتفالية ينتظرها الكبار والصغار.

 أناشيد شعبية وجولات بين البيوت

خلال تجوالهم بين المنازل كان الأطفال يرددون أهازيج وأغنيات شعبية خاصة بالمناسبة، طالبين الفول والحمص وبعض النقود الرمزية من أصحاب البيوت.

وكان الأهالي يستقبلونهم بالترحاب ويوزعون عليهم الحمص والفول وما تيسر من المال، في مشهد يعكس روح التكافل الاجتماعي والترابط بين أبناء الحي الواحد.

كما ارتبطت المناسبة بعبارات وأهازيج شعبية تناقلتها الأجيال جيلاً بعد جيل، لتصبح جزءاً من الذاكرة الجماعية للمجتمع الليبي.

ذكريات تتراجع أمام تغيرات العصر

يرى كثير من الليبيين أن هذه الطقوس بدأت تتراجع خلال السنوات الأخيرة، ولم تعد حاضرة كما كانت في الماضي بسبب تغير أنماط الحياة وتبدل اهتمامات الأجيال الجديدة.

ورغم ذلك، ما تزال بعض الأسر والمناطق تحافظ على جزء من هذه العادات، باعتبارها جزءاً من التراث الثقافي والاجتماعي الذي يعكس خصوصية المجتمع الليبي وتاريخه.

تراث اجتماعي لا يرتبط بالأحكام الدينية

ويؤكد المهتمون بالموروث الشعبي أن عادات الطعام والاحتفال المرتبطة بعاشوراء لا تُعد من الشعائر الدينية، بل هي تقاليد اجتماعية وثقافية نشأت عبر الزمن وتوارثتها الأجيال، لتصبح جزءاً من هوية المجتمع وتاريخه.

وهكذا يبقى عاشوراء في ليبيا مناسبة تجمع بين روح العبادة والقيم الدينية من جهة، وبين الفرح الشعبي والذاكرة الجماعية والتراث المتجذر في وجدان الليبيين من جهة أخرى.

شاهد أيضاً

غات: الأعمال مستمرة والأزمة لم تنتهِ

الصباح | سعاد الفرجاني تواصل الشركة العامة للكهرباء أعمال الصيانة على خط نقل الطاقة بجهد …