في عيد الأضحى لا يكون الطعام مجرد مائدة عامرة إنما يتحول إلى معنى ورسالة ولحظة يلتقي فيها الجسد بالنفس والعادة بالقيمة والحاجة بالنية، ففي هذا العيد الذي يرتبط بالأضحية، لا تُقدم اللحوم بوصفها غذاءً فحسب إنما بوصفها رمزًا للعطاء وتجسيدًا للتكافل وتذكيرًا عميقًا بأن ما نأكله ليس منفصلًا عما نؤمن به ولا عن كيف نعيش مع الآخرين.
فالأضحية في جوهرها ليست فعل ذبح هي فعل تهذيب للعلاقة بين الإنسان ومادياته وبين رغبته وواجباته، وبين استهلاكه ومسؤوليته، وكأن العيد يعيد ضبط البوصلة التي قد تختل في زحمة الحياة، فيذكر الإنسان أن الطعام الذي بين يديه ليس ملكا خالصًا له بل أمانة، وأن الإفراط ليس قوة إنه خلل، وأن المشاركة ليست فضيلة زائدة إنها جزء من اكتمال المعنى، ومن هنا تصبح هذه المناسبة لحظة تأمل عميق في علاقتنا بالغذاء
هل نأكل بوعي أم بعادة، وهل نُحسن الاختيار أم ننجرف مع الوفرة، وهل نوازن بين حق الجسد وحق الآخرين أم نغرق في الاستهلاك وننسى القيمة، وفي هذا الأفق ينفتح المعنى الأوسع، حيث تتجلى علاقة الإنسان بالطعام لا كفعل يومي عابر إنما كمرآة لوعيه وحضارته،
فمنذ أن وُجد الإنسان لم يكن الأكل مجرد استجابة للجوع بل كان تعبيرًا عن فهمه لذاته وللعالم من حوله، لأن الغذاء في جوهره ليس وقودًا للجسد فقط فهو لغة خفية تكشف توازن الإنسان أو اختلاله، فطرته أو انحرافه، وحكمته أو اندفاعه، إذ تحكم هذه العلاقة منظومة متكاملة من العوامل الفطرية والصحية والأخلاقية والعقائدية والثقافية، تتداخل جميعها لتصوغ سلوكا يبدو بسيطًا لكنه من أكثر الأفعال تأثيرًا في صحة الإنسان وحياته ومستقبله،
فالفطرة وهي أول مدرسة يتعلم فيها الإنسان دون معلم تحمل في داخلها بوصلة دقيقة تفرّق بين النافع والضار وبين ما ينسجم مع الجسد وما يثقله وبين الاعتدال والإفراط، غير أن هذه البوصلة قد تُطمس حين تتراكم عليها عادات مشوهة أو ثقافات منحرفة أو إغراءات لا تنتهي أو تقليد أعمى، وهنا يأتي دور الدين كمرجعية عليا تعيد ضبط الإيقاع لا بمنع الإنسان من متع الحياة بل بتهذيبها، فالنصوص القرآنية والتوجيهات النبوية جعلت من الطعام مدخلًا لصلاح الإنسان فدعت إلى الطيب ونهت عن الخبيث وأرست مبدأ الاعتدال وربطت بين ما يدخل الجسد وما ينعكس على الروح والسلوك، وكأنها تؤكد أن نقاء الداخل يبدأ مما نأكله وأن فساد الجسد قد يكون بوابة لاضطراب النفس،
وفي هذا المعنى تلتقي الحكمة الدينية مع العلم الحديث الذي يقرر أن الصحة لا تُبنى في المستشفيات بقدر ما تُبنى في المطابخ واللقمة وأن معظم الأمراض ليست قدرًا محتومًا إنها نتيجة علاقة مختلة مع الغذاء فقدت ميزانها بين الحاجة والرغبة وبين الكفاية والإفراط وبين البساطة والتعقيد، ومن هنا تصبح الثقافة الغذائية ضرورة وجودية لا ترفًا معرفيًا لكنها ثقافة تحتاج إلى تهذيب وتمييز، فما كان منها صالحًا ومتجذرًا في الفطرة والعقل والعلم يُنمى ويُحافظ عليه، وما كان منها موروثًا ضارًا أو تقليدا قائمًا على المبالغة وسوء الفهم فيُراجع ويُصحح،
ولأن الحضارة لا تُقاس فقط بما ننتجه من علوم بل بما نمارسه من سلوك يومي واعي، ومن أعمق تجليات هذا الوعي هو كيف نأكل وماذا نأكل ولماذا نأكل، فحين يأكل الإنسان بوعي يتحول الطعام من عادة إلى عبادة ومن استهلاك إلى مسؤولية ومن لحظة عابرة إلى فعل حضاري يعكس احترامه لجسده ووعيه بصحته وانسجامه مع قيمه،
وهنا تكتمل الصورة حيث تتكامل الفطرة مع الدين والعلم مع الثقافة والعادة مع الأخلاق لتنتج علاقة صحية متوازنة بين الإنسان وغذائه، علاقة لا تقوم على الحرمان ولا على الانفلات إنما تقوم على الاعتدال الواعي الذي يحفظ الجسد ويهذب النفس ويرتقي بالإنسان، ويجعله أكثر قدرة على أن يعيش حياة صحية كريمة تعكس رقيه الداخلي قبل مظاهره الخارجية، لأن الإنسان في نهاية الأمر ليس ما يأكله فقط بل كيف يفهم ما يأكله وكيف يختار وكيف يوازن وكيف يحول أبسط أفعاله اليومية إلى تعبير صادق عن وعيه وحضارته، وفي عيد الأضحى تتجدد هذه الحقيقة في أبهى صورها، حيث لا يكون الطعام نهاية الفعل إنما بدايته، بداية وعي جديد يعيد الإنسان إلى فطرته ويقربه من قيمه، ويمنحه فرصة أن يأكل ليحيا لا أن يحيا ليأكل، وأن يشارك ليكتمل لا أن يستهلك لينقص…
عيد أضحى مبارك وكل عام وانتم بخير.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية