باختصار
د. علي عاشور
لم يعد الكلام عن الأمن السيبراني في ليبيا من الكماليات، بل أصبح ضرورة وطنية ملحة تفرضها الوقائع قبل التحذيرات والاختراقات…. فقبل أسابيع قليلة، كشفت الهجمات الإلكترونية التي تعرض لها مصرف ليبيا المركزي عن حجم الخطر الحقيقي الذي يهدد الترسانة المالية الرقمية للدولةالليبية، وأظهرت أن بياناتنا –بكل ما تحمله من خصوصية وسيادة – قد تكون عرضة للتسريب أو الاستغلال في أي لحظة.
هذا الهجوم السيبراني لم يكن مجرد حادث عابر، بل أدى إلى تعطيل بعض المنظومات المالية، وتسريب بيانات حساسة تتعلق بمراسلات إدارية ومعاملات مصرفية ومحاضر اجتماعات، بل ووصل الأمر إلى نشر أجزاء منها على مواقع التواصل الاجتماعي، في واحدة من أخطر الحوادث الرقمية التي شهدتها البلاد… الأخطر من ذلك أن هذه البيانات لم تكن مجرد أرقام، بل تضمنت معلومات شخصية ووثائق رسمية قد تستخدم في الابتزاز أو التلاعب أو حتى زعزعة الثقة في النظام المالي للدولة.
كما حذر بعض المتخصصين من أن بعض الملفات المسربة تحتوي على روابط بغرض التهكير، ما يعني أن الخطر لا يقف عند حدود التسريب، بل يمتد إلى احتمالية اختراق أجهزة ومؤسسات جديدة عبر هذه الروابط، في عملية معقدةتعكس تطور أساليب الهجمات الإلكترونية…. وهذا يؤكد أن ليبيا تقع ضمن دائرة الاستهداف في العالم السيبراني، سواء من مجموعات إجرامية منظمة أو جهات تسعى لتحقيق مكاسب سياسية أو اقتصادية.
في المقابل، فإن إنشاء هيئة وطنية للأمن السيبرانيخطوة في الاتجاه الصحيح، لكنها لن تكون كافية ما لم تيتم دعمها برؤية استراتيجية شاملة…. فالأمن السيبراني لا يبنى بالقرارات فقط، بل بالكوادر المؤهلة، والبنية التقنية المتطورة، والتشريعات الدقيقة والواضحة، وثقافة الوعي لدى الأفراد والمؤسسات.
ومن هنا تبرز أهمية الدور الذي يجب أن تقوم به الجامعات الليبية وكلياتها التقنية، إن افتتاح أقسام متخصصة في الأمن السيبراني لم يعد خياراً، بل ضرورةملحة، تواكب التحول الرقمي المتسارع…. كما أن دعم هذه الأقسام بالمعامل الحديثة، والمناهج المتطورة، والشراكات الدولية، والتجارب التقنية العملية سيسهم في إعداد كوادرقادر على حماية الفضاء الرقمي الوطني.
ولا يقل أهمية عن ذلك، إيفاد الطلبة المتفوقين للدراسة في الخارج في تخصصات الأمن السيبراني، لاكتساب الخبرات العالمية ونقلها إلى الداخل… فالدول التي نجحت في حماية بياناتها لم تفعل ذلك بالصدفة، بل استثمرت في الإنسان قبل امتلاكها للتقنيات الحديثة.
باختصار، ليبيا دولة كبيرة وإمكانياتها المالية ضخمة، لكن الخوف من أن تكون مكشوفة رقمياً…. فلا يمكن القبول بأن تكون بيانات المواطنين، أو معلومات الموظفين، أو قواعد بيانات الدولة عرضة للتداول أو التسريب من أي جهة كانت… فحماية البيانات لم تعد قضية تقنية، بل هي مسألة سيادة وطنية.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية