باختصار
هذا العيد ليس كغيره من الأعياد، ليس لأن ملامحه تغيرت، ولا لأن طقوسه غابت أيضاً، بل لأن شيئاً في داخلي لم يعد كما كان… شيئاً لا يمكن رؤيته، لكنه يزيد في الثقل كل لحظة، ويجعل الفرح يبدو وكأنه واجب ثقيل يتم تأديته على مضض.
يأتي العيد هذا العام… خفيفاً على الآخرين، لكنه ثقيلاً علي جراء الفقد، يمر بين الناس ضاحكاً، ويمر بي صامتاً… كأنه يعرف، أو كأن في خطواته شيئاً من الحذر، احتراماً لما لم يعد موجوداً.
في مثل هذه الأيام… كان للبيت معنى مختلف، وكان للصوت صدى، وكان للحضور وزن يشبه الطمأنينة…. أما الآن، فالأماكن كما هي، لكن أرواحها تغيرت، والغرف نفسها… لكنها لا تشبه نفسها، والصمت فيها لم يعد استراحة… بل صار مقيماً.
هناك فراغ لا يمكن تفسيره، ليس غيابا عادياً، بل غياباً غريباً، ولما لا؟ وقد كان من فقدنا أساس المشهد، وقد ترك خلفه خللاً لا يرى، لكنه يحس في كل التفاصيل.
كنت أظن أن الفقد يأتي مرة واحدة…. وأن الإنسان يختبر بحزن واحد كبير، ثم يتعلم كيف يكمله، لكن يبدو أن بعض الفقد لا يمكن مداراته.
ففي وقت قصير… رحل من كان يمسك المعنى من أطرافه، ومن كان حضوره يغني عن كثير من الكلام، ومن كان يكفي أن يكون … حتى تستقيم كل الأمور….
نعم، رحل والدي ورحلت معه أشياء أخرى… لم تكن بنفس الوضوح، لكنها كانت حاضرة، كانت جزءا من تفاصيل يومي، من خططي ومن طمأنينتي، ومن تلك المساحة التي لا نتحدث عنها… لكنها تسندنا.
بعض الغياب لا يعلن نفسه، ولا يكتب عنه، ولا يقال فيه شيء مباشر، لكنه يترك أثراً واضحا في نبرة الصوت، وفي طريقة النظر، وفي ذلك التردد المفاجئ قبل قول أي شيء.
في العيد… يحاول الجميع أن يبدو بخير، وأنا أيضاً أحاول بجلد وصبر، أرتب ملامحي كما ينبغي وأصافح، وأبتسم وأرد التهاني… لكن بين كل ذلك… تمر لحظات قصيرة جداً، لا يلاحظها أحد، يتسلل فيها شعور غريب…كأنني أقف وحدي وسط كل هذا الزحام، أبحث عن شيء أعرف أنه لن يكون هناك.
أدرك جيداً أن الحياة لا تتوقف، وأن الناس تمضي، وأن الفقد -مهما كان صعباً- لا يغير نظام الكون… لكنه يغير الإنسان… يجعله أكثر صمتاً وصبراً وربما أكثر جلداً…. وأكثر انتباهاً للتفاصيل الصغيرة، وأكثر حذراً في المستقبل، وأقل قدرة على تفسير ما يشعر به.
في النهاية، سيمضي العيد كما يمضي كل شيء، لكن في داخلنا سيبقى أثر الفقد ثابتاً لا يزول، ومساحة لا يملؤها أحد… ومع ذلك نمضي، نحمل وجعنا بصبر وإيمان، ونستمد من ذكراه جلداً يعيننا على الاستمرار، ويقيناً بأن القادم سيكون خيراً بإذن الله.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية