منصة الصباح
د. مجدي الشارف الشبعاني

هدى بن عامر ومعركة الذاكرة الليبية

لا تبدو الضجة المثارة حول تكريم هدى بن عامر مجرد خلاف عابر حول شخصية عامة، ولا مجرد انقسام في تقييم مرحلة سياسية من تاريخ ليبيا، بل تكشف – في عمقها – عن سؤال أكبر بكثير ما زالت الدولة الليبية عاجزة عن حسمه منذ سنوات:

كيف يجب أن نتعامل مع الماضي؟

هل نعالجه بمنطق العدالة الانتقالية؟

أم بمنطق المصالحة الوطنية؟

أم بمنطق “إصلاح ذات البين” الذي يحاول إطفاء النار الاجتماعية ولو دون معالجة كاملة للجراح؟

في الحقيقة، لا يتعلق الأمر باسم بعينه، لأن أي شخصية ارتبطت بمرحلة سياسية حادة أو صدامية ستتحول تلقائيًا إلى رمز لمعركة الذاكرة داخل المجتمع. وهنا تحديدًا تبدأ الأزمة.

فالدول الخارجة من الحروب والانقسامات لا تواجه فقط أزمة مؤسسات أو سلطات، بل تواجه أزمة سردية وطنية:

من كان مخطئًا؟

ومن كان ضحية؟

ومن يملك حق رواية التاريخ؟

ولهذا ظهرت في العالم تجارب متعددة تحت عنوان العدالة الانتقالية، وهي ليست مجرد محاكمات أو لجان تقصي حقائق، بل فلسفة كاملة لإدارة المراحل الانتقالية بعد النزاعات والأنظمة المتهاوية.

يقوم هذا النموذج على فكرة أساسية مفادها أن الاستقرار الحقيقي لا يمكن أن يتحقق دون كشف الحقيقة، والاعتراف بالانتهاكات، وإنصاف الضحايا، ومنع الإفلات من العقاب.

ومن هذه الزاوية، فإن أي محاولة لإعادة تقديم الشخصيات المثيرة للجدل في المجال العام – خصوصًا عبر التكريم أو الاحتفاء – قد تُقرأ باعتبارها تجاهلًا للألم الجماعي، أو قفزًا فوق الذاكرة الوطنية قبل معالجتها.

لكن في المقابل، ثمة اتجاه آخر يرى أن المجتمعات لا تستطيع البقاء إلى الأبد سجينة الماضي، وأن استمرار تصنيف الناس وفق انتماءاتهم السابقة سيؤدي إلى حرب ذاكرة لا تنتهي، ويمنع أي إمكانية لإعادة بناء المجتمع.

وهنا يظهر مفهوم العدالة التصالحية، الذي لا يركّز فقط على العقاب، بل على إعادة ترميم العلاقات الاجتماعية، وفتح المجال للتعايش، وإعادة دمج الأفراد داخل المجتمع بعد سنوات الصراع والانقسام.

هذا الاتجاه ينطلق من سؤال مختلف:

كيف نمنع استمرار الكراهية؟

وكيف نعيد بناء النسيج الوطني؟

وكيف نُغلق أبواب الثأر السياسي والاجتماعي؟

غير أن العدالة التصالحية لا تعني محو الذاكرة، ولا إنكار الانتهاكات، ولا تحويل المصالحة إلى عملية “تبييض جماعي” للتاريخ، لأن المصالحة التي لا تعترف بالألم تتحول غالبًا إلى هدنة مؤقتة لا أكثر.

أما في المجتمعات ذات البنية الاجتماعية والقبلية والدينية القوية – كما هو الحال في ليبيا – فيبرز مفهوم ثالث أكثر قربًا من الثقافة المحلية، وهو مفهوم إصلاح ذات البين.

وهذا النموذج لا ينطلق من المحاكم ولا من الفلسفات السياسية الكبرى، بل من فكرة حماية السلم الأهلي ومنع تفكك المجتمع، حتى لو اقتضى ذلك تجاوز كثير من التفاصيل المؤلمة.

ولذلك كثيرًا ما تُقدَّم التسويات الاجتماعية والصلح الأهلي في ليبيا باعتبارها ضرورة وجودية، لأن استمرار الانقسام أخطر من بقاء الخلافات التاريخية دون حسم كامل.

غير أن ثمة نموذجًا رابعًا كثيرًا ما يُغفل في النقاشات السياسية والقانونية الحديثة، رغم أنه الأقرب إلى الوجدان الاجتماعي والثقافي في المجتمعات العربية والإسلامية، وهو النموذج المستمد من مقاصد الشريعة الإسلامية في معالجة النزاعات والجراح العامة.

فالشريعة الإسلامية لم تبنِ الاستقرار على الانتقام المفتوح، كما أنها لم تؤسس المصالحة على إنكار الحقوق أو طمس المظالم، بل قامت على معادلة دقيقة تجمع بين:

العدل، والعفو، وجبر الضرر، وإصلاح ذات البين.

ولهذا لم يكن العفو في التصور الإسلامي إلغاءً للحقيقة، ولا تنازلًا عن الكرامة، بل كان مرتبطًا غالبًا برد الحقوق، ووقف الظلم، ومنع استمرار الفتنة داخل المجتمع.

وفي القرآن الكريم تتكرر الدعوة إلى الإصلاح مقرونة بالعدل، لا بالنسيان القسري:
﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا﴾.

كما أن التجربة الإسلامية التاريخية قدّمت نماذج متعددة حاولت التوازن بين حفظ الجماعة ومنع الثأر الدائم، وبين عدم تحويل المجتمع إلى ساحة تصفية مفتوحة للأحقاد التاريخية.

ومن هذه الزاوية، فإن المجتمعات لا تُبنى فقط بالمحاكم، ولا تستقر فقط بالتسويات السياسية، بل تحتاج أيضًا إلى منظومة أخلاقية تعترف بالألم، وتفتح باب العفو، لكنها لا تسمح في الوقت نفسه بتحويل العفو إلى أداة لمحو الحقوق أو تجاهل معاناة الضحايا.

لكن الإشكال الحقيقي أن ليبيا لم تحسم خيارها بعد.

فهي لم تُنجز عدالة انتقالية حقيقية وشاملة، ولم تؤسس لمصالحة وطنية مكتملة، ولم تتمكن حتى من إنتاج سردية وطنية مشتركة حول الماضي.

ولهذا أصبح المجتمع يعيش المراحل كلها في وقت واحد:

هناك من لا يزال يعيش لحظة الغضب،

وهناك من يبحث عن العدالة،

وهناك من يريد إغلاق الملف بالكامل،

وهناك من يخشى أن تتحول الذاكرة إلى وقود دائم للصراع.

ومن هنا، فإن الجدل حول تكريم شخصية معينة ليس في حقيقته جدلًا حول “الشخص”، بل حول النموذج الذي تريده ليبيا لإدارة ذاكرتها الجماعية.

هل نريد دولة تُدار بمنطق الإقصاء الدائم؟

أم بمنطق النسيان الكامل؟

أم بمنطق التوازن بين الحق في الحقيقة والحاجة إلى التعايش؟

ربما تكمن الحكمة في أن المجتمعات لا تُبنى بالثأر المفتوح، لكنها أيضًا لا تستقر بإنكار الألم.

ولهذا فإن الطريق الأكثر صعوبة – وربما الأكثر عدلًا – ليس محو الماضي، ولا البقاء أسرى له، بل بناء صيغة وطنية تعترف بالضحايا، وتحفظ الحقيقة، وتفتح في الوقت نفسه باب العودة إلى المجتمع دون إعادة إنتاج الانقسام أو تمجيد الصراع.

لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي دولة ليس اختلاف الناس حول الماضي، بل عجزها عن الاتفاق على كيفية العيش مع هذا الماضي دون أن يبتلع المستقبل.

الدكتور مجدي الشارف الشبعاني

شاهد أيضاً

د. علي عاشور

الطَّبِيبُ اللِّيبِيُّ… بَيْنَ وَاجِبِ الضَّمِيرِ وَاتِّهَامِ التَّقْصِيرِ

باختصار  يلوم كثير من الناس الطبيب الليبي، ويحملونه مسؤولية كل إخفاق في التشخيص أو العلاج، …