خمسة وخمسون عامًا من التقارير الرقابية وستة وسبعون عامًا على التأسيس.. واحتفالية للإعلان عن تقريرين، وليس موضوعنا بحث النهج الاحتفالي لمؤسسات الدولة، لكن، أن ما علق في الأذهان لم يكن صفات الضيوف، ولا حجم الإنفاق منذ عام 2011 والذي وصف ب (المخيف) تمامًا كما توصف الغولة، ولا نحو ألف ونصف من الصفحات، استأثرت 2025 فيها بأكثر من عشرة آلاف ملاحظة ومخالفة، ولا حتى الحديث عن تراجع التنمية، ولا قول أحد الضيوف أن الإعلان عن التقريرين يمثل (حدثا وطنيا مهما)، ولا أن شعبنا استهلك ثلاثة أرباع قرن كي يسمع عن أول قاعدة بيانات وطنية متكاملة للشكل الإداري للدولة الليبية بحسب ما قيل في الاحتفالية، ولا اننا بانتظار انتاج أحداث وطنية متعلقة بالتقريرين تفوق مجرد الإعلان عنهما.
الذي علق في الأذهان وحظي باهتمام كبير هو تكريم شخصية أثارت الجدل بين مؤيد ورافض. ليتوقف الوعي الجمعي عند تلك النقطة متجاوزًا كل ما عداها، بما في ذلك ما تضمنّه التقريران.
خلال عمر الرقابة في بلادنا، تعاقبت الأنظمة وتبدلت السلطات، وبقيت الملاحظات الرقابية شبه ثابتة: مخالفات، فساد، مشاريع متعثرة، إنفاق استهلاكي، وضعف في الخدمات، وتضخم إداري يزداد تعقيدًا مع الزمن، وهنا لابد من السؤال: إذا كانت الرقابة موجودة منذ أكثر من سبعة عقود، وتصدر تقاريرها منذ أكثر من نصف قرن، فلماذا لا تزال النتائج ذاتها تتكرر، وربما بصورة أشد؟ هل الرقابة هي توثيق للمخالفات، أم سلوك مجتمعي ودور يفترض أن يمتد إلى خلق ضغط مؤسسي قانوني ينتج التصحيح ويمنع تكرار الخلل؟
الرقابة أداة لإنتاج أثر يُترجم إلى محاسبة، وإلى تغيير في سلوك المؤسسات، وإلى شعور لدى المواطن بأن ما يُكشف معرفة تتحول إلى فعل، وأنه معني بالمساهمة في هذا الفعل، وبدون ذلك، تصبح التقارير وثائق متراكمة أكثر من كونها أدوات إصلاح، ويبرز سؤال آخر ليس عن وجود الرقابة وعمر تقاريرها، بل عن قدرتها على إحداث فرق فعلي في حياة الناس، عندما تتحول المعرفة إلى قوة تغيير، وتخلق أثرًا مستمرًا من التحسين والإلتزام بالقانون ينعكس على كل مؤسسات الدولة.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية