باختصار
يلوم كثير من الناس الطبيب الليبي، ويحملونه مسؤولية كل إخفاق في التشخيص أو العلاج، بل ويذهب بعضهم إلى اتهامه بالتقصير أو ضعف الكفاءة…. بيد أن المفارقة الغريبة، بل والتناقض الواضح، يكمن في أن هؤلاء الناس أنفسهم يرفعون ذات الطبيب إلى مكانة التميز عندما يعمل خارج الوطن، فنراهم يتفاخرون بأبناء ليبيا الأطباء العاملون في مستشفيات ومصحات أوروبا أو أمريكا أو دول الخليج، ويصفونهم حينها بالماهرين والمتميزون.
وهنا يبرز السؤال: كيف يتحول الطبيب ذاته من متهم بالتقصير إلى نموذجٍ يحتذى به، دون أن يتغير في جوهره العلمي أو تكوينه الأكاديمي، وهو الذي تخرج من الجامعات الليبية نفسها؟
هذه الازدواجية في الحكم لا تعكس حقيقة الطبيب الليبي، بقدر ما تكشف خللاً في نظرتنا نحن إلى هذه المهنة، وإلى الظروف المحيطة بها….. فالطبيب في جوهر عمله، ليس صانع معجزات، ولا مالك مفاتيح الشفاء المطلق، بل هو إنسان مؤهل علمياً وأخلاقياً لبذل الجهد في سبيل علاج المريض، وفق ما توفر له من إمكانيات ومعطيات… ومن هنا، فإن تحميله مسؤولية الشفاء التام والسريع هو تحميل يتجاوز حدود المنطق والواقع.
الطب في أساسه، مهنة ضمير قبل أن يكون مهنة علم… وهو التزام أخلاقي تجاه الإنسان لكونه إنساناً، بعيداً عن أي اعتبار لدينه أو جنسيته أو عرقه… الطبيب لا يسأل مريضه من أين أتى؟، ولا إلى أي انتماء ينتمي؟، بل ينظر إليه بوصفه كيانا إنسانيا يستحق العناية والرعاية…. ومن هذا المنطلق، فإن جوهر المهنة لا يقوم على تحقيق النتيجة بقدر ما يقوم على صدق المحاولة وإخلاص السعي… لهذا نقول: أن مهمة الطبيب هي جهود للرعاية لا حتمية للشفاء.
إن الفرق بين (بذل العناية وتحقيق الشفاء) فرق جوهري ينبغي فهمه وإدراكه… فالقانون والأخلاق المهنية يقران على أن التزام الطبيب هو التزام ببذل عناية، لا التزام بتحقيق الشفاء… أي أن عليه أن يسخر جهده وعلمه وخبرته بكل أمانة واجتهاد، لكن نتيجة العلاج تبقى مرتبطة بعوامل متعددة، منها طبيعة المرض، واستجابة جسم المريض، والتزام المريض بتعليمات الطبيب، والإمكانات المتاحة… إلخ.
وحين ينجح الطبيب الليبي في الخارج، فإن نجاحه لا يأتي من فراغ أيضاً، بل من بيئة داعمة، وإمكانات متقدمة، والتزام المريض، ونظام صحي متكامل يتيح له ممارسة مهنته على الوجه الأمثل. أما حين يقيد داخل بيئة تفتقر إلى أبسط المقومات، فإن الحكم عليه بذات المعايير يصبح ظلما واضحاً.
لذلك، فإن إعادة الاعتبار للطبيب الليبي تبدأ بإعادة تصحيح نظرتنا نحن إلى مهنته، وفهم حدود مسؤوليته، والتمييز بين التقصير الحقيقي وبين قصور الإمكانات.
فالطبيب في نهاية المطاف، ليس مسؤولاً عن حتمية الشفاء، بل عن صدق المحاولة… وتلك في ميزان الضمير الإنساني، هي الحقيقة التي ينبغي أن يفهمها الجميع.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية