منصة الصباح
د.علي المبروك أبوقرين

هانتا فيروس

في ظل ما أُعلن حديثًا عن تسجيل وفيات وإصابات مشتبه بها على متن إحدى السفن السياحية بفيروس هانتا وفق ما تم تداوله في البيانات الأولية الصادرة عن الجهات الصحية الدولية، ومن بينها منظمة الصحة العالمية،

برز هذا الفيروس مجددًا إلى واجهة الاهتمام العلمي والإعلامي، ليس بوصفه فيروسًا جديدًا أو طارئًا إنما باعتباره أحد الفيروسات الحيوانية المنشأ المعروفة منذ عقود، والتي تعود جذورها الوبائية إلى منتصف القرن العشرين، حين تم التعرف عليه لأول مرة خلال الحرب الكورية، ومن هنا جاءت تسميته هانتا، وهي في الحقيقة ليست فيروسًا واحدًا بل مجموعة من الفيروسات تُعرف باسم Hantaviruses، تنتمي إلى عائلة تسبب أمراضًا مختلفة تتراوح بين متلازمات رئوية حادة وأخرى نزفية مع فشل كلوي قد يكون شديد الخطورة.

ينتشر فيروس هانتا في الطبيعة بشكل أساسي داخل القوارض البرية، وخاصة الفئران والجرذان، التي تُعد الخزان الحيوي الطبيعي له دون أن تظهر عليها أعراض مرضية واضحة، وهو ما يجعلها مصدرًا صامتًا لاستمرار دورة الفيروس في البيئة. ينتقل الفيروس إلى الإنسان عادة عبر التعرض المباشر أو غير المباشر لإفرازات هذه القوارض، مثل البول أو البراز أو اللعاب، وغالبًا ما يحدث ذلك من خلال استنشاق جزيئات دقيقة محمولة في الهواء بعد جفاف هذه الإفرازات وتحولها إلى غبار ملوث، كما يمكن أن يحدث الانتقال عبر ملامسة الأسطح الملوثة ثم لمس الفم أو الأنف أو العينين، أو من خلال عضات القوارض في حالات أقل شيوعًا. أما الانتقال من إنسان إلى إنسان، فهو نادر للغاية ويقتصر على سلالات محددة وفي ظروف استثنائية، مما يجعل هذا الفيروس مختلفًا جوهريًا عن فيروسات تنفسية معروفة مثل الإنفلونزا أو كوفيد-19 التي تتميز بسرعة الانتشار بين البشر.

وتتراوح فترة حضانة فيروس هانتا عادة بين أسبوع واحد وخمسة أسابيع وقد تمتد أحيانا إلى ستة أسابيع، وهو ما يفسر صعوبة تتبع مصدر العدوى بدقة في بعض الحالات الوبائية، كما حدث في بعض التقارير المرتبطة بالسفينة السياحية، حيث يُرجح أن العدوى وقعت قبل الصعود إلى السفينة في بيئة خارجية تحتوي على قوارض أو ملوثات بيئية. تبدأ الأعراض في المرحلة الأولى بشكل غير نوعي، إذ تشمل الحمى الشديدة، والإرهاق العام وآلام العضلات والصداع والغثيان أو القيء، وهي أعراض قد تُشبه في بدايتها العديد من الأمراض الفيروسية الأخرى.

إلا أن المرض قد يتطور بسرعة في بعض الحالات إلى مرحلة أكثر خطورة تتمثل في ضيق تنفس حاد نتيجة تراكم السوائل في الرئتين أو حدوث متلازمة رئوية شديدة، أو إلى فشل كلوي ونزيف داخلي في بعض الأنماط الوبائية، وهي المرحلة التي ترتفع فيها معدلات الوفيات بشكل ملحوظ إذا لم يتم التدخل الطبي السريع. حتى الآن لا يوجد لقاح معتمد عالميا ضد فيروس هانتا، رغم وجود أبحاث وتجارب محدودة في بعض الدول، كما لا يوجد علاج نوعي مضاد مباشر للفيروس، ويعتمد التدخل الطبي أساسا على العلاج الداعم داخل وحدات العناية المركزة، مثل دعم التنفس بالأكسجين أو أجهزة التنفس الصناعي، والحفاظ على توازن السوائل والأملاح، ودعم وظائف الكلى والأعضاء الحيوية حتى يتمكن الجسم من تجاوز المرحلة الحرجة.

وتبقى فرص النجاة مرتبطة بشكل أساسي بسرعة التشخيص وشدة الحالة عند الوصول إلى المستشفى. أما من ناحية الوقاية فهي تمثل الركيزة الأساسية في الحد من هذا المرض، نظرًا لغياب العلاج النوعي، وتقوم على مبدأ بسيط لكنه حاسم يتمثل في قطع الطريق بين الإنسان ومصدر العدوى الحيواني.

ويشمل ذلك مكافحة القوارض في البيئات السكنية والمخازن والمزارع، وتحسين النظافة العامة، وتجنب الأماكن المغلقة المهجورة أو سيئة التهوية دون ارتداء وسائل الحماية خاصة عند تنظيفها، حيث يُنصح باستخدام الكمامات والقفازات لتجنب استنشاق الغبار الملوث، إضافة إلى تهوية الأماكن قبل الدخول إليها.

وعلى المستوى المؤسسي، تتطلب الوقاية أنظمة مراقبة بيئية وصحية فعالة، وخططا واضحة للتعامل مع أي حالات مشتبه بها، بما في ذلك العزل الفوري وتتبع المخالطين، والتعقيم الشامل في حال ظهور بؤر عدوى محتملة، كما هو الحال في البيئات المغلقة مثل السفن أو المخيمات.

وعند مقارنة فيروس هانتا بفيروسات أخرى معروفة، يتضح أنه أقل قدرة على الانتشار الوبائي السريع بين البشر مقارنة بفيروسات الجهاز التنفسي مثل الإنفلونزا أو كورونا لكنه في المقابل أكثر خطورة على المستوى الفردي في حال تطور المرض إلى المتلازمة الرئوية أو النزفية، إذ يمكن أن تكون نسبة الوفيات مرتفعة في بعض السلالات. وبالتالي فإن خطورته لا تكمن في سرعة انتشاره إنما في شدة تأثيره عند الإصابة.

وبناءً على المعطيات العلمية الحالية لا يُنظر إلى الحادثة المرتبطة بالسفينة باعتبارها بداية انتشار وبائي عالمي بل على أنها حدث موضعي يخضع للتحقيق الوبائي، مع احتمالية أن تكون الإصابات قد نشأت من مصدر بيئي خارج السفينة. ومع ذلك فإن هذه الأحداث تظل تذكيرًا مهما بأن التداخل بين الإنسان والبيئة الحيوانية، خاصة في ظل ضعف السيطرة على القوارض وسوء إدارة النفايات يمثل دائمًا نقطة ضعف صحية تستدعي الانتباه المستمر.

ويبقى فيروس هانتا مثالًا واضحًا على طبيعة الأمراض المشتركة بين الإنسان والحيوان، حيث لا تكون المشكلة في الفيروس وحده إنما في العلاقة غير المنضبطة بين الإنسان وبيئته، وهي علاقة كلما اختل توازنها ظهرت أمراض قد تبدو قديمة في أصلها لكنها متجددة في ظهورها وخطورتها.

د.علي المبروك أبوقرين

شاهد أيضاً

جمعة بوكليب

” راح فيها الكرموس”

جمعة بوكليب زايد..ناقص في شارعنا، وربما في المنطقة بأسرها، توجد شجرة تين وحيدة. هذه الأيام …