جمعة بوكليب
زايد..ناقص
في شارعنا، وربما في المنطقة بأسرها، توجد شجرة تين وحيدة. هذه الأيام برعمت أوراقها مدثرة أغصانها العارية طوال الشتاء. لا أعرف من أتى بها وغرسها في هذه البقعة من لندن. لكنها كبرت رغم برودة الطقس.
شجرة التين غريبة عن التربة الانجليزية. فهي شجرة متوسطية. الروائي والشاعر الإنجليزي د. هـ. لورانس، قال في قصيدة كتبها أن شجرة التين لا تنبت في إنجلترا. كتب لورانس تلك القصيدة رداً على الهجوم العنيف الذي واجهته روايته المشهورة “عشيق الليدي تشاترلي”، الرواية جريئة جنسيًا، هزّت أركان المجتمع الانجليزي وتحدت تابوهاته الأخلاقية ومُنعت من النشر.
افع الكاتب لورانس عن روايته بشتي الوسائل وكتب تلك القصيدة مؤكدًا أن شجرة التين لا تنبت في انجلترا، بمعنى أن التابوهات الأخلاقية الفيكتورية ليست انجليزية الأصل مثل شجرة التين. في الاسطورة الدينية المسيحية عن الخلق، كانت أوراق التين هي الملاذ الأول لآدم وحواء لسترعورتيهما بعد الأكل من الشجرة المحرّمة. أما في الموروث الديني الإسلامي، فيذهب البعض إلى أنها كانت شجرة توت.
في صيف عام 1990، حين زرت تركيا مع زوجتي. في “أولودينيز” بالجنوب الغربي، حيث يعانق الجبل البحر، كنت أستيقظ مبكراً في فندقنا الصغير لأهرع نحو أشجار التين المحيطة، أقطف حبّات التين “السوادي” التي تقطر عسلاً وأزدردها عالريق.
في ليبيا، وفي دول المغرب العربي بتراثهم الأمازيغي العريق، يسمون التين “كرموس”، ويسمون شجرته “كرمة”. الكرم اسم يطلق على العنب، والليبيون لا يسمونه (كرم) بل عنب.
هناك مثل شعبي يقول :” ريتْ التين وشفتْ التين ما ريت تينك ياكرمه.” استخدم المثل كلمة “التين” غير المتداولة بدل كلمة “الكرموس” المتداولة شعبيًا. لماذا لجأ المثل إلى استخدام كلمة غير متداولة وربما غير معروفة: التين، بدلاً من كلمة متداولة شعبيًا: الكرموس؟
في رأيي، فإن الإيقاع الموسيقي المُنغّم في (ريتْ التين وشُفتْ التين) كان السبب في ذلك. و…”راح فيها الكرموس.”
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية