منصة الصباح
د.علي المبروك أبوقرين

كبارنا قدوتنا

إلى كلِّ فردٍ فينا، وإلى كلِّ مسؤولٍ وصانعِ قرارٍ في بلادنا: إنَّ كبارَنا ليسوا مرحلةً عابرةً في دفتر العمر، بل هم الأصلُ الذي منه ابتدأت الحكاية، والجذرُ الذي به ثبتت الشجرة، والذاكرةُ التي إن غابت اختلَّ المعنى وبهتت الهوية..

في ليبيا، كما في غيرها من أوطانٍ شقَّتها الأقدارُ زمنَ العوزِ والحاجة، ثم نهضت بسواعد أبنائها، يحمل كبارُ السنِّ اليوم سيرةَ وطنٍ كُتبت بالحبر والعرق، وبالحرمان والصبر، وبالعزيمة التي لا تنكسر. هؤلاء الذين لم تُمهَّد لهم الطرقُ، هم الذين صنعوها، ولم تُفتح لهم أبوابُ العلم، هم الذين طرقوها حتى انفتحت، ولم تُيسَّر لهم الحياة، لكنهم غلبوها حتى استقامت..

تعلَّموا في ظروفٍ شحيحةٍ داخل البلاد، وسافروا طلبًا للمعرفة في أقاصي الأرض، وعادوا ليبنوا ويؤسِّسوا ويُعلِّموا ويقودوا. وفي زمنٍ كانت فيه الرعايةُ الصحيةُ محدودةً، خاضوا معاركَ المرض بقوة الإيمان وصلابة الإرادة، وفقدوا من الأحبة ما يكفي ليكسر أممًا، لكنهم لم ينكسروا..

أفليس من الحقِّ ومن الواجب الأخلاقي والوطني أن تكون شيخوختُهم مرفوعةَ الرأس، مطمئنةَ القلب، غنيَّةً بالراحة التي حُرموا منها، وبالكرامة التي استحقوها؟ أفليس من العدل أن تُعاد صياغة ما تبقَّى من أعمارهم بلغة العناية لا الإهمال، وبمنطق الامتنان لا التقصير؟

إنَّ كرامةَ كبارِ السنِّ ليست بندًا في سياسة، إنما هي معيارٌ لمدى إنسانية الدولة، وهي الامتحان الحقيقي لأيِّ نظامٍ صحيٍّ واجتماعيٍّ واقتصادي..

إنَّ الرؤية التي تليق بهم لا تقف عند حدود الرعاية، بل يجب أن تتجاوزها إلى مفهوم الحياة المتكاملة؛ حياةٌ تُصمَّم خصيصًا لهم، لا يُزاحمون فيها ولا يُهمَلون على هامشها..

ومنظومةٌ صحيةٌ شاملةٌ، استباقيةٌ، مستمرةٌ، تُرافقهم ولا تنتظر مرضهم، وتُقدِّم لهم خدماتٍ عاليةَ الجودة دون أيِّ تكلفة، لأن ما قدَّموه لا يُقاس بثمن. وغذاءٌ متوازنٌ وآمنٌ يُعيد للجسد عافيته، وللروح صفاءها. وبيئةٌ سكنيةٌ تليق بإنسانيتهم، وبيوتٌ تحفظ الخصوصية وتُشعر بالانتماء، لا مؤسساتٌ باردةٌ تُذكِّرهم بالنهاية..

ثم حياةٌ اجتماعيةٌ وثقافيةٌ نابضةٌ تُحيي فيهم الفرح، وتمنحهم دورًا لا مجرد مكان، ونوادٍ ومنتدياتٌ ومساحاتٌ للقاء والحوار والذاكرة الحيَّة، حيث لا يكون الكبيرُ متلقيًا فقط، بل معلِّمًا ومرشدًا وشاهدًا على الزمن، ومشاركًا في صناعة الحاضر.
إنهم ليسوا عبئًا كما يظن القاصرون، إنما هم كنزٌ معرفيٌّ وإنسانيٌّ، وخبراتهم ليست ماضيًا يُحكى، بل قدراتٌ تُستثمر. وفيهم الحكمةُ التي تختصر الطريق، والتجربةُ التي تُجنِّب الأجيال أخطاءً باهظة، والرؤيةُ التي لا تُشترى.
إنَّ دمجهم في الحياة العامة، وفي التعليم، وفي الاستشارة، وفي التوجيه، ليس تكريمًا فحسب، إنما استثمارٌ وطنيٌّ رشيد. وإذا كانت الأرقامُ تُقال بلغة الاقتصاد، فإن الحقيقة أعمق؛ فكبارُ السنِّ في مجتمعنا لا يُشكِّلون عبئًا ماليًا مهما عظم الإنفاق عليهم، لأن ما يُقدَّم لهم هو دينٌ يُرَدّ، ووفاءٌ يُصان، وعدالةٌ تُقام.
إنَّ المجتمعاتِ التي تُحسن إلى كبارها تُؤمِّن مستقبلها، وتُربِّي أبناءها على معنى الوفاء. إننا لا ندعو إلى رفاهٍ زائد، بل إلى عدلٍ مستحق، ولا إلى إحسانٍ عابر، إنما إلى حقٍّ أصيل: حقٌّ أن يعيشوا ما تبقَّى من أعمارهم في طمأنينة، بلا قلقٍ من مرض، ولا خوفٍ من عوز، ولا وحدةٍ تُثقِل القلب..

كبارُنا أعزَّاؤنا وعزوتنا؛ أنتم القدوة، وأنتم التاج الذي لا يُنزع، وأنتم الحكاية التي بها نفتخر، والميراث الذي لا يُقدَّر بثمن. ولأنكم كذلك، فإن أقلَّ ما يجب أن يكون هو أن نوفِّر لكم حياةً تليق بكم، كاملةً وكريمةً ومجانيةً بالكامل، حتى آخر نبضٍ في عمرٍ كتبتموه عطاءً..

د.علي المبروك أبوقرين

شاهد أيضاً

الدبيبة يعتمد تحويل " قصر الخُلد " إلى منارة ثقافية

الدبيبة يعتمد تحويل ” قصر الخُلد ” إلى منارة ثقافية

وافق رئيس حكومة الوحدة الوطنية، عبد الحميد الدبيبة، خلال اجتماع مجلس الوزراء المنعقد اليوم، على …