نعيمة الطاهر
.الاختلاف في الرأي ليس عيبًا، ولا دليلًا على فساد النوايا، كما أن مخالفتك لا تعني أن الآخر يضمر لك العداء أو يسعى إلى النيل منك ، فالعقول ليست نسخًا متطابقة ، والتجارب الإنسانية تتباين ، وزوايا النظر تتعدد ، وما نراه صوابًا اليوم قد تكشف لنا المعرفة غدًا أنه يحتاج إلى مراجعة وتصحيح .
والغريب أن بعضنا يتعامل مع رأيه باعتباره الحقيقة المطلقة التي لا يأتيها الباطل ، بينما ينظر إلى رأي غيره باعتباره خطأً يستوجب التصحيح ، أو جريمة تستحق العقاب ، وهكذا يتحول الحوار من فرصة لتبادل الأفكار وتلاقح العقول إلى ساحة للصراع ، يتبارى فيها المتحاورون في تسجيل النقاط والانتصار للنفس ، لا للحقيقة .
أما تخوين المخالف والطعن في نواياه وتسفيه أفكاره ، فتلك ممارسات لا تثبت قوة الحجة ، بل تكشف عجز صاحبها عن مواجهة الرأي بالرأي ، والدليل بالدليل .
فالحقيقة لا تحتاج إلى صراخ ، والفكرة القوية لا تستمد قوتها من إهانة الآخرين ، كما أن الإساءة لا تجعل صاحبها منتصرًا ، ولا تحوّل الخطأ إلى صواب . والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأجيال الجديدة، فتنشأ على أن الاختلاف خصومة، والاعتراف بالخطأ هزيمة ، والتراجع عن الرأي ضعف ، بدلًا من أن تتعلم أن الحوار احترام ، والإنصات فضيلة ، ومراجعة المواقف شجاعة .
إن منصات التواصل ، بما فيها من سرعة في النشر والتعليق ، قد تمنح الانفعال مساحة أوسع من التفكير ، فيكتب المرء ما لا يقوله لو واجه الآخر وجهًا لوجه .
إننا بحاجة إلى أن نستعيد أدب الاختلاف ، وأن نمنح أنفسنا لحظة للتفكير ، قبل إطلاق الأحكام ، وأن نناقش الأفكار بعيدًا عن النوايا التي نتخيلها ، ونحفظ للناس كرامتهم مهما تباعدت مواقفنا.
ليس مطلوبًا منا أن نتفق في كل شيء، لكن المطلوب ألا تتحول خلافاتنا إلى خصومات شخصية ، وألا نخلط بين نقد الفكرة وإهانة صاحبها .
فما قيمة أن تنتصر لرأيك ، إذا خسرت احترامك للآخر? .
سؤال برسم الإجابة !
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية