منصة الصباح

العنف ضد المرأة في ليبيا: تفاقم الجرائم بين ضعف الردع القانوني وغياب الحماية المؤسسية

​شهدت منطقة الماية بورشفانة، في السادس عشر من شهر أكتوبر 2026، جريمةً مروعةً راحت ضحيتها المواطنة (ن. ع. ر) وابنها البالغ من العمر 18 عاماً؛ إثر إطلاق النار عليهما من قبل زوجها.
​وهذه الحادثة ليست سوى واحدة من حوادث تنوعت أساليبها واختلفت دوافعها…

تعدد الجناة، والضحية واحدة.

​لم يعد العنف ضد المرأة في المشهد الليبي مجرد حالات فردية معزولة، بل تحول إلى ظاهرة مقلقة تتسع دائرتها وتتعدد وجوه مرتكبيها؛ فبينما تفجعنا حوادث العنف الأسري التي يتحول فيها شريك الحياة أو رب الأسرة — الذي يُفترض أن يكون مصدر أمان وحماية — إلى جانٍ يحصد أرواح من في رقبته، تتوازى معها انتهاكات واعتداءات أخرى تقترفها أيدي الجناة من خارج الأسرة في الشارع العام والمؤسسات

​أمثلة صادمة
​جريمة “أماني”: اختفاؤها عن محيطها اليومي، ثم العثور على جثتها داخل خزان الصرف الصحي، في جريمة وُجّهت فيها أصابع الاتهام لعائلتها.
​مقتل زوجة أحمد الدباشي: اكتشاف مصيرها المأساوي بعد سنة كاملة من مقتلها على يده.

​اغتيال خنساء مجاهد: مقتل صانعة المحتوى إثر تعرضها لإطلاق نار مباشر من قِبل مسلحين مجهولين.

​ الكشف عن ملابسات مقتل السيدة (م. م. م) بعد مرور 9 سنوات كاملة على ارتكاب الجريمة.

​سؤال مشروع وملحّ

فما أسباب تزايد هذه الظاهرة الدخيلة على المجتمع الليبي، وكيف السبيل للحد منها؟

​تغليظ العقوبات لايكفي

​يرى الأستاذ حميد المرابط، الباحث في قضايا حقوق الإنسان، أن الوضع القانوني الحالي لجرائم العُنف ضدّ المرأة يتّسم بضعف الفاعلية، موضحاً:

الأستاذ حميد المرابط، باحث في قضايا حقوق الإنسان
الأستاذ حميد المرابط، باحث في قضايا حقوق الإنسان

​”عندما نتحدّث عن الوضع القانوني، فإنّنا نقصد بذلك التشريعات والتعاطي مع هذا النوع من القضايا من قبل الجهات المُختصّة. فالنّصوص القانونية الحالية — سواءً في إطار الأسرة أو خارجها — لا تشكّل الرّدع اللازم لكبح هذا النّوع من الجرائم، الأمر الّذي يُساهم في تناميها واتّساعها.”
​ويستعرض المرابط أبرز الثغرات التشريعية قائلاً:
​”للأسف، فإن بعض النصوص الواردة في قانون العقوبات (كالمادة 375 على سبيل المثال) توفّر تخفيفاً عقابياً لمن يقتل زوجته أو أخته إذا فوجئ بوجودها في وضع تلبّس بالزنى، على الرغم من مخالفة هذا النص حتّى للشريعة الإسلامية. كما يُعتبر تنازل أولياء الدم في مثل هذه الحالات من أهم الأسباب الّتي تؤدّي إلى إطلاق سراح الجُناة؛ حيث يشكّل الضغط الاجتماعي على أسرة الضحية عاملاً حاسماً، الأمر الّذي قد يبعث برسائل ضمنية في المجتمع أن قتل النساء تحت ما يُسمى ‘جرائم الشرف’ أمرٌ لا يُشكّل أهمية، ويفرّغ النّصوص العقابية من أي قيمة رادعة.”
​ويؤكد المرابط من وجهة نظره:
إن تغليظ العقوبات وحده لا يكفي، بل إن حتمية العقاب وسُرعة إيقاعه على الجاني تشكل — إضافةً إلى التغليظ — الردع اللازم لهذا النوع من الجرائم. كما أن التدخّل المُبكّر والتعاطي مع العنف الذي يسبق جرائم القتل، والعُنف إجمالاً بحساسية عالية، سيوفّر مناخاً آمنًا للنساء ويؤدي إلى انحسار هذه الجرائم في المجتمع.

​منظومة للإنذار المبكر​

أما الأستاذة صفاء عبدالحفيظ رحيل، الخبيرة الحقوقية والمتخصصة في القانون الدولي وحقوق الإنسان، فترى أن تصاعد جرائم العنف والقتل ضد المرأة في ليبيا — في سياق تفشي العنف الممارس داخل أماكن العمل (من إقصاء وتمييز)، وداخل المؤسسات التعليمية، والأسرة، وخارجها — يعكس مشكلة تتجاوز الجرائم الفردية إلى تحديات اجتماعية وقانونية ومؤسسية أعمق.

 


​

وتضيف رحيل:
​”ما نشهده اليوم هو أحد انعكاسات حالة الهشاشة التي تعيشها البلاد؛ فحين تضعف المؤسسات وتتراجع المساءلة وتتسع دائرة الإفلات من العقاب، يدفع المجتمع الثمن وتكون النساء من الفئات الأكثر عرضة للعنف والتهديد وانتهاك الحقوق. إن الوقاية الحقيقية لا تبدأ بعد وقوع الجريمة، بل تبدأ عندما تتوفر مؤسسات قادرة على رصد الخطر والاستجابة له قبل أن يتحول إلى جريمة لا يمكن تدارك نتائجها.”
​وتشدد رحيل على أهمية المحاور التالية:
​تطوير برامج التوعية: في المؤسسات التعليمية والإعلامية والدينية، لتعزيز ثقافة احترام المرأة ورفض تبرير العنف أو لوم الضحية.
​التعامل مع العنف الرقمي: رصد انتشار العنف الإلكتروني والتهديد والابتزاز والتشهير ضد المرأة، والتعامل معها باعتبارها مؤشرات خطيرة قد تتحول إلى أدوات للتحريض والملاحقة والإيذاء، وتشكّل إنذاراً مبكراً لخطر يهدد سلامتها. وتأكيد أن تجاهل هذه الممارسات يفاقم المخاطر، مما يستوجب استجابة قانونية وأمنية جادة وتدخلاً وقائياً مبكراً.

و تسألت رحيل
​”لم نعد بحاجة إلى الاكتفاء بالمطالبة بإعداد مشروع قانون لحماية المرأة من العنف؛ لأن هذا المشروع أُعدّ منذ سنوات (بدأت الجهود في 2017 ووصل لمجلس النواب في فبراير 2023 وشهد مراحل مناقشة وإقرار)، ومع ذلك لم يتم إصداره حتى تاريخه. إن استمرار تأخر استكمال هذا المسار التشريعي يطرح تساؤلاً مشروعاً: ما جدوى الجهود والخبرات وحملات المناصرة إن لم تتحول إلى حماية قانونية فعلية تستطيع المرأة اللجوء إليها؟”
​وتختتم رحيل بتأكيد الحاجة إلى إرادة تشريعية واضحة تُفضِي إلى إصدار قانون وطني شامل لحماية المرأة، مشددةً على أنه لا يتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية ومقاصدها في حفظ النفس والكرامة وتحقيق العدل، ومؤكدةً أن “حماية المرأة مسؤولية وطنية وليست مطلباً فئوياً؛ فحين تتراجع قيمة الإنسان، يدفع الجميع الثمن.”

​التشخيص ثم وضع الحلول

​ومن جانبها، تؤكد الأخصائية الاجتماعية الأستاذة زينب العبدلي أن العنف ضد المرأة ليس ظاهرة حديثة، بل بدأ بوأد البنات في مجتمعاتنا العربية قديماً، واستغلال المرأة في الأعمال التي لا تناسب تكوينها الجسدي والنفسي في المجتمعات الغربية، وجاء الإسلام وأنصف المرأة.


​

وتستعرض العبدلي العوامل المؤثرة في الوقت الراهن قائلة:
​”إلا أن ما يحدث من تغيرات على المجتمع أثرت على التركيبة الاجتماعية وبالتالي على سلوك الفرد. ونحن الآن نمر بمرحلة تغير سريعة وفوضى عارمة في ظل عدم تفعيل القوانين، وانتشار السلاح، وعدم الحس بالمسؤولية، وتفكك العلاقات الأسرية، واختفاء الوازع الديني، وسيطرة المصلحة الخاصة على تفكير البعض… هذه جميعها أسباب أدت إلى تفشي الظاهرة وغيرها الكثير، ولا أعتقد أن ‘الشرف’ يمثل سبباً مهماً في هذه الظاهرة في وقتنا الراهن.”
​وتختتم العبدلي رؤيتها بالحل الميداني:
لكي نقضي على هذه الظاهرة، علينا بدراستها دراسة علمية لتحديد أسبابها الدقيقة، ومن ثم وضع خطة علاجية بناءً على نتائج الدراسة.

شاهد أيضاً

التعاون يحقق ثنائية على حساب الأفريقي

الصباح – مفتاح البسكري حقق فريق التعاون أول انتصاراته هذا الموسم في مسابقة الدوري الليبي …