منصة الصباح
د.علي المبروك أبوقرين

*المركز الصحي الجامع من رعاية المرض إلى صناعة الصحة والعمر الصحي*

إن بناء النظام الصحي الليبي الجديد لا يبدأ من المستشفيات وحدها وإنما من إعادة بناء العلاقة بين الإنسان والصحة والبيئة والمجتمع، ومن تأسيس عمران صحي يهيئ للحياة السليمة وبيئة آمنة ومياه نظيفة وغذاء صحي وسكن ملائم وتوعية صحية مجتمعية مستمرة، وأنماط حياة تعزز العافية وتحد من أسباب المرض.

فالصحة ليست خدمة تقدم بعد وقوع المرض وإنما منظومة متكاملة تبدأ قبل الميلاد وتصاحب الإنسان في جميع مراحل حياته، وتستهدف إطالة سنوات الحياة الصحية وتحسين جودتها، وصون كرامة الإنسان حتى نهاية الحياة.

وفي قلب هذه الرؤية يأتي المركز الصحي الجامع في الأحياء السكنية والقرى والأرياف بوصفه إحدى الركائز الأساسية للنظام الصحي الليبي الجديد، ومؤسسة مجتمعية متكاملة تنقل الثقل الأكبر للرعاية من المستشفيات إلى المجتمع ومن انتظار المرضى إلى استباق المرض والتنبؤ بمخاطره والوقاية منه والكشف المبكر عنه.

وهو ليس مجرد مركز تقليدي للرعاية الأولية أو مجموعة عيادات متجاورة وإنما منظومة صحية محلية مسؤولة عن صحة السكان وتعزيزها وتحسينها وإدارة احتياجاتهم الصحية، وتقديم أكبر قدر ممكن من الخدمات قبل الحاجة إلى المستشفيات، مع إحالة الحالات التي تتطلب إمكانات أعلى إلى المستويات التخصصية والمرجعية والجامعية.

وتتيح طبيعة ليبيا الجغرافية وتوزع سكانها وإمكاناتها الوطنية فرصة لتصميم شبكة واسعة من هذه المراكز تخدم تجمعات سكانية أصغر بكثير مما هو معمول به في النماذج المكتظة سكانيا بما يضمن قرب الخدمة وسهولة الوصول والاستجابة السريعة. ويحدد النطاق السكاني لكل مركز وفق طبيعة المنطقة وكثافتها العمرانية والمسافات ووسائل النقل والاحتياجات الصحية ليس وفق أرقام ثابتة.

وقد يستدعي الأمر مراكز صغيرة متكاملة في الأحياء والقرى، ومراكز أكبر ذات تخصصات وإمكانات أوسع في التجمعات الرئيسية، تدعمها وحدات متنقلة وخدمات منزلية واتصالية تصل إلى المناطق النائية. والمقصود أن تكون شبكة المراكز قريبة من الناس وعادلة في توزيعها وقادرة على العمل وفق احتياجات المجتمع الفعلية.

ويستلزم هذا التحول تصاميم معمارية حديثة ومستدامة، وتخطيطا وظيفيا يفصل مسارات الأصحاء والمرضى والحالات المعدية والطوارئ، ويوفر الخصوصية والأمان وسهولة الحركة، ويستوعب التوسع والتكيف مع الأوبئة والكوارث. كما يتطلب تجهيزات طبية وتشخيصية متكاملة تتناسب مع مستوى الخدمات، ومختبرات وأشعة أساسية وتخصصية، وصيدلة إكلينيكية، وعيادات طب الأسرة والتخصصات المطلوبة، وطب الأسنان، وصحة الأم والطفل ومتابعة الحمل، والتطعيمات، والتغذية، والصحة النفسية، وإدارة الأمراض المزمنة، والكشف المبكر عن السرطان والأمراض غير السارية، والإسعاف والإنعاش الأولي والعزل، والرعاية المنزلية والتأهيلية والمشورة الصحية والاجتماعية.

ويُحدد نطاق التخصصات والتجهيزات في كل مركز وفق الاحتياج السكاني، ضمن معايير وطنية تضمن الجودة وسلامة المرضى وكفاءة استخدام الموارد. وتشكل الصحة الواحدة بعدا أصيلا في عمل المركز من خلال الترصد المبكر للأمراض المعدية والمشتركة بين الإنسان والحيوان، ومتابعة مخاطر المياه والغذاء والتلوث والنواقل، والتنسيق المستمر مع الجهات البيئية والبيطرية والبلدية ومؤسسات الصحة العامة.

ويصبح المركز نقطة ارتكاز محلية لتطبيق السياسات الصحية ورصد المخاطر والتوعية المجتمعية، والاستجابة المبكرة للتفشيات، بما يحول المعلومات الميدانية إلى إجراءات تحمي السكان قبل اتساع الضرر. أما نجاح هذا النموذج فيعتمد على إعادة بناء منظومة التعليم والتدريب والتكوين والتأهيل المهني، بحيث تصبح المراكز الصحية بيئات متقدمة للتعلم السريري المستمر والتدريب متعدد التخصصات والبحث التطبيقي، بالتعاون مع كليات الطب والتمريض والصيدلة والمؤسسات الجامعية.

ويقتضي ذلك إعداد أطباء الأسرة والرعاية الأولية، وأطباء التخصصات الملائمة، وأطباء الأسنان والصيادلة الإكلينيكيين والممرضين والقابلات وأخصائيي الصحة النفسية والتغذية والصحة العامة والوبائيات، والفنيين والمسعفين خريجي المعاهد العليا، وخبراء الإدارة الصحية والجودة والمعلوماتية الرقمية. ولا يكفي توفير هذه الكفاءات ما لم يصاحبه نظام مهني عادل يعيد النظر في جداول المرتبات والعلاوات والامتيازات والترقيات، ويربطها بالتأهيل والكفاءة والمسؤولية وعبء العمل وجودة الأداء، ويمنح العاملين في الرعاية المجتمعية والوقاية والحالات المنزلية ما يستحقونه من تقدير عالي وحوافز وفرص للتطور المهني.

ويجب أن تعمل هذه المراكز على مدار الساعة، وفق نماذج تشغيل مرنة تضمن استمرارية الخدمات الضرورية والطوارئ والإسعاف والاستجابة للمخاطر الصحية، مع تنظيم المناوبات وتوفير الكفاءات والتجهيزات والإمدادات اللازمة.

وتدعمها منظومة رقمية موحدة تربط الملف الصحي الإلكتروني والترصد الوبائي والمواعيد والتطعيمات والإحالات والصيدلة والمتابعة المنزلية، وتستخدم التحليلات التنبؤية بصورة مسؤولة لتحديد الفئات الأكثر عرضة للمخاطر وتوجيه التدخلات إليها، مع حماية خصوصية البيانات وسرية المعلومات.

وتكتمل المنظومة بنظام إحالة متصل بالمستشفيات العامة والتخصصية والمرجعية والجامعية بعد انشأئها وتأسيسها على قواعد ومعايير ومواصفات عالمية، يضمن انتقال المريض ومعلوماته الطبية بين مستويات الرعاية، ثم عودته إلى مركزه لاستكمال المتابعة والتأهيل والرعاية المنزلية. فالمستشفى ليس بديلا عن المركز، والمركز ليس بديلا عن المستشفى، وإنما لكل منهما دور متكامل في شبكة واحدة، تتولى فيها المراكز العبء الأكبر من الوقاية وتعزيز الصحة والكشف المبكر وإدارة الحالات المستقرة، بينما تتفرغ المستشفيات للحالات التي تحتاج إلى إمكاناتها التخصصية المتقدمة.

إن المركز الصحي الجامع ليس مبنى يفتتح ولا أجهزة تشترى وإنما مؤسسة عامة مستدامة التمويل واضحة المسؤوليات يقودها متخصصون مؤهلون، وتعمل وفق معايير الجودة والسلامة والإنصاف، وتراجع وتقيم نتائجها بما تمنعه من أمراض وما تحققه من تحسن في صحة السكان، وما تضيفه إلى سنوات حياتهم الصحية، وما تخففه من معاناة وتكاليف يمكن تجنبها. وفي ليبيا ينبغي أن يقوم هذا النموذج على تمويل عام عادل ومستدام يضمن حق المواطن في الرعاية دون أن تصبح قدرته المالية شرطا للوقاية أو العلاج.

إن الغاية من المركز الصحي الجامع أن يصبح بيت الصحة في كل حي وقرية، وأن ينتقل النظام الصحي من استهلاك موارده في ملاحقة المرض إلى صناعة الصحة واستدامة العافية وإطالة العمر الصحي.

وعندما تتكامل البيئة السليمة والتعليم الصحي والرعاية الوقائية والخدمات التخصصية والرعاية المنزلية والرقمنة والكفاءات المؤهلة في مؤسسة قريبة من الإنسان، تصبح الصحة ممارسة يومية وثقافة مجتمعية ومسؤولية وطنية، وتصبح كرامة الإنسان غاية الخدمة وميزان نجاحها وليس مجرد شعار يرفع عند الحاجة.

د.علي المبروك أبوقرين

شاهد أيضاً

بين شغف الجماهير وغياب الاحتراف: الإعلام الرياضي في ليبيا ومعوقات الممارسة

قسم الإعلام جامعة سرت د_عبدالله محمد أطبيقه تُعدّ الرياضة، وفي مقدمتها كرة القدم، المتنفّس الأكبر …