مقال | طارق بريدعة
لم يعد المواطن الليبي بحاجة إلى تقرير اقتصادي أو نشرة أسعار حتى يعرف أن الأسعار أصبحت خارج قدرة الناس على الاحتمال. يكفي أن يخرج من بيته متجهًا إلى أقرب سوق لبيع المواد الغذائية، ليكتشف أن ما كان يشتريه بالأمس لم يعد يستطيع شراءه اليوم بالراتب نفسه.
اللحم ارتفع، والدجاج ارتفع، والخضروات تتغير أسعارها بصورة يومية، والدواء أصبح عبئًا على المرضى وأسرهم، ومواد البناء لها حساب آخر، حتى أجرة العامل و«الصنايعي» لم تعد كما كانت.
وفي وسط كل ذلك، يقف المواطن أمام سؤال بسيط ومشروع: أين وزارة الاقتصاد؟
هل تعيشون معنا في ليبيا؟ هل تعيشون في العاصمة طرابلس وباقي المدن، وتدخلون إلى أحيائها وأسواقها ومحالها؟ هل تشترون حاجيات بيوتكم بأنفسكم؟ هل تعرفون كم أصبح سعر كيلو اللحم؟ وكم يدفع المواطن مقابل الدجاج والخضروات والدواء؟
هل جربتم أن تسألوا عن سعر كيس الإسمنت أو طن الحديد أو أجرة العامل عندما تريدون إصلاح بيتكم؟
هذه ليست أسئلة للتجريح، وإنما أسئلة يطرحها المواطن الذي لم يعد يعرف إلى أين يتجه، بعدما أصبح دخله عاجزا عن ملاحقة الأسعار.
المشكلة أن المواطن يسمع باستمرار عن اجتماعات وقرارات وإجراءات عبر موقع الوزارة الرسمي لتنظيم حركة الاقتصاد والسلع، فيتخيل حياة وردية على كوكب آخر.
لكن السؤال الحقيقي يبقى: من المسؤول عن تحديد هامش الربح؟ ومن يراقب حلقات التوريد والتوزيع؟ ومن يحاسب من يستغل حاجة الناس؟
وإذا كانت وزارة الاقتصاد ترى أن ارتفاع الأسعار مرتبط بسعر الصرف أو تكلفة الاستيراد أو النقل أو الرسوم أو نقص بعض السلع، فهذا أمر يمكن شرحه للمواطن، لكن الأهم أن يعرف المواطن: ما الذي تفعله الوزارة لمعالجة هذه الأسباب؟
فالمشكلة ليست في أن الأسعار ترتفع فقط، وإنما في أن المواطن يشعر بأنه وحيد في مواجهة هذا الارتفاع.
ليس مطلوبا من الوزارة أن تتحكم في كل سعر في السوق، وليس منطقيا تحميلها وحدها مسؤولية كل الأزمات الاقتصادية، لكن من حق المواطن أن يسألها عن أدواتها وإجراءاتها ونتائجها.
كم حملة تفتيش نُفذت؟ كم مخالفة سُجلت؟ كم تاجرا خالف قواعد إشهار الأسعار؟
هذه هي الأسئلة التي تهم المواطن، وليس عدد الاجتماعات التي عُقدت أو عدد المسؤولين الذين جلسوا حول طاولة واحدة.
الإجراء الحقيقي هو أن يدخل المواطن السوق فيجد سعرا يمكنه تحمله. أما أن تصدر القرارات وتُعقد الاجتماعات، ثم يعود المواطن إلى السوق ليجد أن الأسعار واصلت ارتفاعها، فهنا يصبح السؤال مشروعا.
أين الخلل؟
هل الخلل في القرار؟ أم في آليات التنفيذ؟ أم في الرقابة؟ أم في التوريد؟ أم في حلقات التوزيع؟ أم في تعدد الجهات التي تتعامل مع السوق؟
السيد الوزير، اذهب إلى أي سوق في طرابلس دون ترتيبات رسمية. ادخل واسأل عن أسعار اللحم والدجاج والزيت والسكر والحليب، ثم اسأل عن سعر الدواء، وبعدها مرّ على محل لبيع مواد البناء.
ثم عد إلى مكتبك واسأل نفسك:
هل يستطيع المواطن الذي يتقاضى راتبا محدودا أن يتحمل كل هذه الأسعار؟
السيد الوزير.. الناس تريد خطة واضحة، وأهدافا قابلة للقياس، ونتائج يمكن أن يلمسها المواطن.
وإذا كانت أدوات الوزارة محدودة، فقولوا ذلك صراحة.
فالناس ضاقت ذرعا. لم تعد المشكلة في أن المواطن يعرف أن الأسعار مرتفعة؛ هو يعرف ذلك جيدا، لأنه يدفعها كل يوم.
فمتى سيتوقف هذا الانفلات؟
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية