باختصار
يبدو أن الصيف هذا العام جاء فجأة… نعم جاء فجأة … وكأنه تسلل إلى ليبيا خفية دون أن تلاحظه الشركة العامة للكهرباء، وكأن درجات الحرارة المرتفعة كانت حدثاً مفاجئاً لم يرد في أي توقعات أو حسابات، وكأننا في بلد قطبي استيقظ ذات صباح ليجد نفسه في منتصف شهر يوليو أفريقي.
أن تنقطع الكهرباء ثلاثة عشر ساعة متواصلة هذه ليست مشكلة فنية عابرة ولا طرح أحمال، بل إعلان واضح أن المفاجأة الصيفية نجحت مرة أخرى، وأن الشركة ما زالت تتعامل مع حرارة الصيف وكأنها زائر غير مرغوب فيه، يطرق الباب دون أي موعد مسبق، لا ظاهرة تتكرر كل عام بنفس القسوة وفي نفس التوقيت، ومع ذلك لا أحد يستعد له، ولا أحد يخطط لاستقباله، وكأن ذاكرة شركتنا يتم حذفها مع نهاية كل صيف لتبدأ القصة من جديد.
المواطن وحده لا يفاجأ، لأنه ببساطة قد تعود…. يعرف أن الكهرباء ستنقطع والمكيف سيصبح قطعة ديكور ليس إلا، وأن الليل سيطول أكثر من اللازم، فيبدأ يومه وهو مستعد لكل شيء…. إلا وجود الكهرباء… فهو يدفع فاتورة الاستهلاك كعادته، ويشتري المولد… ثم يصاب بالصداع بحثاً عن الوقود لتشغيله، ويقضي أياماً يتنقل بين الورش ليصلحه إن تعطل…، بينما الشركة تكتفي بدور المتفاجئ الذي يقول: لم نكن نتوقع هذا الضغط.
والحقيقة أن أكثر ما يثير الضحك ليس الانقطاع نفسه، بل فكرة أن الصيف ما زال صدمة سنوية بالنسبة لشركة يفترض أن عملها قائم على التوقع والاستعداد الدائم، لا على الدهشة والتبرير والتسويف…. فهل يعقل أن تمر السنوات، ونعيش نفس الفزورة، ونسمع نفس العبارات والتبريرات، وكأن شيئاً لم يحدث من قبل؟ أم أن الخطة ببساطة هي أن يعتاد المواطن لا أن تتحسن الخدمة؟
ولم يعد الأمر متعلقا بحرارة الصيف وحدها، بل بشركة لا تتعلم من أخطائها، وتتعامل مع كل الأزمة وكأنها أولى مرة، رغم أنها تتكرر بنفس التفاصيل عاما بعد عام…. شركة تعرف جيدا أن الطلب سيتضاعف، وأن الشبكة سترهق، وأن ساعات الانقطاع ستطول، ومع ذلك تدخل موسم الصيف دون استعداد حقيقي، ولا رؤية واضحة، ولا حتى إحساس بضرورة التغيير…. فتتكرر الأعطال، وتتجدد الأعذار، ويظل المواطن هو الحلقة الأضعف الذي يدفع الثمن في كل مرة، بينما يتحول الفشل من خلل طارئ إلى نهج مستمر لا يثير الاستغراب بقدر ما يكرس الاعتياد…
وفي وسط هذا كله، تتبخر التفاصيل الصغيرة للحياة… طعام يفسد، نوم يتقطع وأعصاب تستهلك، وصبر يختبر يوميا ولأكثر من مرة، بينما السؤال البسيط يظل قائماً دون إجابة: ماذا كانت تفعل الشركة قبل أن يفاجئها فصل الصيف؟ هل كانت تنتظر اللحظة المناسبة لتعلن دهشتها، أم أن الاستعداد لم يعد ضمن قائمة الأولويات أصلا؟
ربما الحل ليس معقداً كما يبدو، وربما يحتاج فقط إلى إدارة تفهم أن الصيف في ليبيا ليس خبرا عاجلا، بل موعد ثابت يأتينا كل عام وفي توقيت تابت…. وأن الكهرباء ليست من الكماليات بل أصبحت أساس الحياة، لكن إلى أن يحدث ذلك… يبدو أننا سنواصل العيش على هذا الاكتشاف العظيم كل عام: الصيف جاء فجأة.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية