منصة الصباح
احلام محمد الكميشي

زيد الماء.. زيد الدقيق

استنكر الأجداد العمل العشوائي الذي لا يقوم على أسس وقواعد، فيلجأ المرء إلى حلول تلفيقية بهدف الحصول على النتيجة المستهدفة من الأساس، وكانوا يرددون: (زيد الماء.. زيد الدقيق). وكانت الأمهات يعلّمن الصغيرات أن التحكم في كمية الماء منذ البداية هو سر نجاح كل من العجين والمرق، وكنّ يقلن: (كل شيء فيه الإعانة إلا صب الماء للعجّانة)، لأن صاحبة العجين هي الأعلم بما يحتاجه عجينها من الماء، وهي التي ستتحمل النتيجة في النهاية، حتى برغم (اللي تديره العمشة ياكلوه صغارها)، فالإنسان لا يعيش في كوكب وحده.

أستحضر حكمة الأجداد كلما طُرح رفع المرتبات كحل سحري لتحسين معيشة فئة من المواطنين، بدل تبنّي حزمة من السياسات الاقتصادية المرنة ضمن منظومة شاملة هدفها تحسين جودة الحياة ورفع مستوى المعيشة لكل المواطنين. فقد أثبتت التجارب أن زيادة المرتبات لشريحة ما بمعزل عن إصلاحات حقيقية لا تؤدي إلا إلى موجات جديدة من التضخم وارتفاع الأسعار والإيجارات والخدمات، بما يرهق كاهل بقية الفئات التي لم تُرفع مرتباتها، فتذوب الزيادة سريعًا ويجد الليبيون أنفسهم في معاناة أكبر وفوارق اجتماعية وفوضى في السوق.

يحتاج الإصلاح الحقيقي إلى منظومة متكاملة: تنظيم الوافدين وتحصيل الرسوم والضرائب بشكل عادل، وضبط تحويل الأموال، وتفعيل النقل العام البري والبحري، وضبط سعر الصرف، وتشجيع الاستثمار وخلق فرص العمل، وتشديد الرقابة على الغذاء والدواء، إلى جانب ضبط الاستيراد والتصدير بما يحفظ استقرار السوق ويدعم الإنتاج ويحمي الاقتصاد الوطني.

وبعد بناء هذه الأرضية، يصبح من الطبيعي تثبيت المرتبات وفق الدرجة الوظيفية والمؤهل العلمي والخبرة، مع تنظيم علاوات التميز والكفاءة بين الفئات. كما يجب تفعيل الرقابة على القطاع العام لتوفير فرص التوظيف، وعلى القطاع الخاص لتنظيم عقود العمل وتطبيق إجراءات الضمان الاجتماعي لمنتسبيه، ناهيك عن تنفيذ قانون التأمين الصحي بكافة مؤسسات الدولة، وتفعيل قانون الإيجار وربط تأجير العقارات بمنظومة رقمية بالتعاون بين البلديات ومصلحتي الضرائب والتسجيل العقاري، بما يحقق العدالة الوظيفية والاستقرار الاجتماعي.

فالدول لا تُدار بمنطق (زيد الماء.. زيد الدقيق) وردود الفعل العشوائية، بل بمنطق التخطيط السليم وحسن تقدير النتائج، تمامًا كما تزن العجّانة عجينها وتوازن بين الماء والدقيق لتطعم عائلتها خبزًا شهيًا ينهي معاناتهم من الجوع.

أحلام محمد الكميشي

شاهد أيضاً

د.علي المبروك أبوقرين

كبارنا قدوتنا

إلى كلِّ فردٍ فينا، وإلى كلِّ مسؤولٍ وصانعِ قرارٍ في بلادنا: إنَّ كبارَنا ليسوا مرحلةً …