ألرئيسيةرأي

مرثية العمر الجميل !

فوزي البشتي

 

أمضيت قرابة نصف العام إلا قليلاً أتأرجح بين العجز والاستطاعة بين الاستسلام للمرض ومغالبته، بين الانكماش على النفس والخروج من قوقعة الضعف والوهن، بين اجترار الآلام والأوهام، والتطلع إلى لحظة يتحرر فيها الجسد والعقل من قيود تخضعه لقوى لايملك من أمرها شيئاً.

وعلى كثرة ما عبرت أفق الوعي من افكار وما تناوشت من تأملات وخواطر، ظلت تروح وتجيء في مساحة زمنية بحكم التعود عن الحركة والالتزام بأوامر الطبيب، الا أنها ظلت عصية على التشكل والتفرج، تتداخل وتتماوج مثل قطعان السحب في السماء تظهر وتغيب دون سبب وتعصف بها رياح تدفعها في كل اتجاه، وبدأ لي في وقت من الأوقات أنني في سياق بغير نهاية، ولكنه سياق بغير هدف، لمتسابق لا أهمية له، وفي لحظة زمنية لاقيمة لها، وحينئذ خيل إلي أن العودة إلى حياتي الطبيعية، إلى عملي وورقي وقلمي، بعد فترة انقطاع مرهفة لن تكون سهلة، بل بدت وكأنها شبه مستحيلة، أن يتعافى المرء من علة اشرفت به على الحافة، فقد خلالها قوته ولياقته، وتسرب الضعف إلى أعضائه وعضلات، فلم يعد يستطيع المشي أو الوقوف أو الجلوس بمفرده دون مساعدة يد حانية ترعاه، فهو أشبه بطفل يتعلم الحركة والمشي لأول مرة، تسانده أمه وتسنده خشب الوقوع فتلك تجربة شاقة يزيد من مشقتها أن العليل في ابلائه لا يبدأ متدرجاً مثل الطفل ولكنه يحاول أن يستعيد ذاكرته الحركية ومادأب عليه من سكون وحركة ووقوف وقعود ومشي وجري، وكأنه لم يفقد كل هذه المهارات الحركية التي كان يمارسها في يسر ومرونة.. وتبقى قدرة الانسان على النطق أي العقل بكل ما فيه من ملكات تمكنه من الإدراك الحسي والعقلي والنفسي هي المخزون الذي لايتبدد بسهولة مهما ضعفت الحواس وتداعي الجسد واشتعل الرأس شيباً.

كنت في كل مرة تعتريني أسباب الوهن، افكر في الاعتزال والتقاعد واستقر في وجواتي ان دروب الحياة التي سلكتها لم تفض إلى شيء، ولكن لو أنني تقاعدت حتى بعد أن استعيد صحتي فما الذي سأفعله؟

هل اهجر عملي في القراءة والكتابة والتفكير، وأمضي أوقاتي كما يفعل موظفو المعاشات على المقهى أو تسكعاً في الطرقات أو لقاء وثرثرة مع الصحاب والمعارف؟ استعيد ذكريات أيام مضت وأناقش أحوال البلاد والعباد وغلاء الأسعار وجور الزمان ومشكلات العالم وحروب، فإذا ضقت فهناك مجال واسع اللقرمةب والتشريح وتتبع آخر الفظائح ومتاعب الاولاد والبنات ثم لاتلبثت بمرور الوقت أن تخبو جذور القراءة والاطلاع والقدرة على التفكير وأعمال العقل في شؤون الحياة، حتى إذا وصلت قدرات العقل إلى مرحلة الضمور والانقطاع لم يبق غير اللجوء إلى الكتب الدينية التي يقف المرء منها موقف التلقي والاذعان، دون تفكير أو تأمل ودون مناقشة أو حوار، غاية ما يستطيع المرء خارج هذا الاطار أن يتابع برامج الاذاعة المرئية التافهة والعقيمة فإذا اراد تنشيط ذهنه فقد يلجأ إلى حل الكلمات المتقاطعة!.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى