منصة الصباح
جمعة بوكليب

في مقعدٍ خلفي

زايد..ناقص

السيارة التي وجدتني بداخلها، كانت تُقلّ عائلة أميركية مكونة من أربعة أشخاص: زوج وزوجة وولد وبنت، في طريقهم إلى ولاية أريزونا قادمين من مدينة نيويورك. 

الزوج يقود السيارة. الزوجة إلى جانبه تمسك بخريطة الطريق وتوجهه. الولد والبنت جالسان في المقعدين الخلفيين. وكنتُ أنا معهم، رُبما في مقعد خلفي، أقرأ باستمتاع رواية من تأليف روائية مكسيكية المولد اسمها “فاليريا لويسيلي”، عنوانها “أرشيف الأطفال المفقودين”.

كنتُ جالساً، أقلّب الصفحات، أقرا متابعًا ما كان يقال في السيارة من أحاديث وما كان يحدث على الطرقات التي يمرون بها من أمور. كنتُ الوحيد بينهم من يعرف ما يدور في ذهن الزوجة، ويعلم بخطورة المشاكل التي تهدد بهدم أعمدة الاستقرار في العائلة.

الزوج لا يتكلم إلا ردّاً على سؤال من الزوجة أو من أحد الطفلين. الزوجة متوترة وتؤدي عدة مهام في وقت واحد؛ فهي من يروي الأحداث في الرواية، ومن يقرأ الخريطة للزوج/السائق، ومن يتدخل لفض نزاع بين الطفلين، ومن يغرق داخلياً في تفاصيل حياة عائلية بدأت واضحة الشروخ. وكان عليَّ اكمال الرحلة/الرواية لاشباع فضول معرفي، وأعرف النهاية.

هذا ما تفعله بنا قراءة الروايات. بالطبع ليس كل الروايات، بل ما يستحق منها أن يُمنح بجدارة اسم رواية: أن تجعلك تعيش أحداثاً ومصائر حيوات بتفاصيل درامية مركبة، وتصبح، أنت القاريء، جزءاً من عالمها، تتداخل حياتك مع حيوات أبطالها وشخصياتها. بمعنى أن تغادر صدفتك الضيقة وتطير عالياً في انفساح فضاء آخر تخطفك أضواؤه.

الرواية الجيدة لا تُقرأ فحسب، بل تُعاش لدى القراءة، وتُستعاد فيما بعد في الذاكرة بعد إغلاق آخر صفحاتها. وتُعلّمنا فنّ الإنصات.

نحن نقرأ لنتعلم ونعرف. التعلم والمعرفة يتطلبان الصبروالإنصات لما يقوله آخرون لا نعرفهم. ننصت لهم وهم يروون لنا تجاربهم الحياتية، وفي الوقت ذاته نفتح لهم أو لبعضهم أبواب قلوبنا تعاطفًا، ليدخلوها بسلام آمنين، ويزيدوها باقامتهم دفئًا ورحابة.

جمعة بوكليب

شاهد أيضاً

يوسف مصطفى عفط

الابن الضال… أم الأب الغائب؟

يوسف مصطفى عفط لا أختلف كثيرًا مع منصور بوشناف حين يعلن أن مشروع النهضة العربية …