جمعة بوكليب
زايد…ناقص
انطلقت في المدة القريبة الماضية المركبة الفضائية “أرتميس 2” في رحلة تاريخية نحو القمر، تحمل على متنها أربعة رواد فضاء: ثلاثة رجال، من بينهم -ولأول مرّة- رائد ببشرة سمراء، وامرأة تشاركهم حلم الاختراق. انطلق الصاروخ كالسهم من قاعدته، مخلفاً وراءه عيوناً تسمّرت أمام الشاشات في شتّى أنحاء الأرض، تراقب تلك اللحظة التاريخية. في الجانب الآخر من الشاشة كان التاريخ يدخل مسارًا آخر، لكنه ليس جديدًا. أعني الحرب الأميركية – الاسرائيلية ضد إيران. تاريخ بوجهين. جميل و قبيح.
قبل انطلاق رحلة (أرتميس 2 )كنت أرصد، أولاً بأول، ما يجري من تطورات تلك الحرب في مختلف وسائل الاعلام. لكن حين بدأت عقارب الساعة تتحرك بسرعة مقتربة من موعد انطلاق المركبة الفضائية، تغير اتجاه مؤشر بوصلة اهتمامي نحوها بالكامل.
تفسير ما حدث لي من تغير في الاهتمام ليس صعبًا. فأنا وإن كنت حريصًا بسبب اهتماماتي الصحافية على متابعة الشؤون الدولية وتقلباتها وكوارثها ينتابني تعب وإرهاق وآلام من أخبار الحروب، ويعتريني يأس من إمكانية شفاء الإنسانية من داء التوحش . ثم، أن الحروب مثل الحافلات العامة. إذا فاتتك واحدة، هناك عشرات أخرى قادمات في الطريق نحوك. لكن رحلات الفضاء شيء آخر. إن فاتتك واحدة عليك الانتظار سنوات طويلة أخرى.
لذلك السبب، تركت متابعة الحرب وأكاذيبها ومصائبها الموجعة لعلمي أنها “ملحوق عليها ” أو بأخرى غيرها، وكرست وقتي لمتابعة الرحلة الارتميسية الثانية نحو القمر، حيث الانسان في أبهى صوره و تجلياته العقلية وفتوحاته العلمية وهو يخترق الفضاء ساعيًا إلى كشف وإمتلاك الكون. لم يخب ظني. كان الرواد الأربعة مبتهجين، يطلون علينا من شاشات التلفزيونات، معبرين عن مشاعرهم وأحاسيسهم مثل أطفال فرحين بالعيد. وكان التاريخ يسجل موثقا انجازاتهم أولاً بأول، وكنت معهم مبتهجًا بانتمائي لصفوف طويلة على جبهة واسعة وعريضة من بشرمكرسين لحب الانسانية وفتوحات العلم، وللحلم بغد انساني أفضل وأجمل..
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية