منصة الصباح
د. محمد أحمد الشحاتي

بشأن الاختراق الإلكتروني الذي تعرض له مصرف ليبيا المركزي

د. محمد أحمد الشحاتي

تكررت الحوادث السيبرانية التي تستهدف البنوك المركزية والمؤسسات المالية الكبرى وأصبحت تواجه مختلف الاقتصادات العالمية وليس في الدول النامية أو المؤسسات ذات القدرات المحدودة فقط.

في خلال السنوات الماضية حدثت اختراقات طالت بنوكاً مركزية في بنغلاديش وكوستاريكا ومؤسسات مالية بأوكرانيا وكذلك مؤسسات مالية في دول متقدمة تمتلك أنظمة حماية متطورة، وفيما يتعلق بالحادث الذي أعلن عنه مصرف ليبيا المركزي، فإن الموقف يتطلب قدراً من الهدوء والموضوعية.

فمن ناحية، لا توجد حتى الآن معلومات تؤكد وقوع أضرار مالية مباشرة أو المساس بأرصدة العملاء أو سلامة البيانات الأساسية، وقد أعلن المصرف المركزي أنه تمكن من عزل الأنظمة المتأثرة واحتواء الحادث. ولكن من ناحية أخرى، فإن طبيعة الجرائم السيبرانية تفرض انتظار نتائج التحقيقات الفنية والجنائية المتخصصة قبل إصدار أحكام نهائية حول حجم الاختراق وآثاره الفعلية. وتشير التجارب الدولية إلى أن تقييم الأضرار الحقيقية لأي هجوم إلكتروني على مؤسسة مالية كبرى قد يستغرق أسابيع أو حتى أشهراً.

ففي حادثة البنك المركزي في بنغلاديش عام 2016 لم تظهر الصورة الكاملة للهجوم إلا بعد فترة من التحقيقات، بينما استغرقت السلطات في كوستاريكا أشهراً لإعادة بناء بعض الأنظمة الحكومية والمالية المتضررة من الهجمات الإلكترونية التي تعرضت لها عام 2022.

ومن الناحية الاقتصادية، فإن الخطر الأكبر في مثل ه

ذه الحالات لا يكمن بالضرورة في الاختراق ذاته، وإنما في تداعياته على الثقة العامة.

فالنظم المالية تقوم في جوهرها على الثقة، وأي انتشار للشائعات أو المعلومات غير الدقيقة قد يؤدي إلى ردود فعل مبالغ فيها تفوق في تأثيرها الأضرار التقنية المباشرة.

ولذلك فإن الحفاظ على ثقة المواطنين والمتعاملين والمؤسسات المالية المحلية والدولية يمثل أولوية لا تقل أهمية عن معالجة الجوانب التقنية للحادث، وفي هذا السياق،

فإن أفضل الممارسات الدولية تشير إلى أهمية اتباع ثلاثة مسارات متوازية: أولها الاستمرار في التحقيق الفني المتخصص لتحديد نطاق الاختراق بدقة، وثانيها التواصل المستمر والشفاف مع الرأي العام لتقديم المعلومات المؤكدة أولاً بأول، وثالثها الاستعانة بخبرات دولية مستقلة لإجراء مراجعة شاملة للأنظمة وتعزيز الثقة في نتائج التحقيقات.

وغني عن القول أن هذه الحادثة يجب أن يُنظر إليها باعتبارها جرس إنذار يدعو إلى تسريع برامج الأمن السيبراني في القطاع المالي الليبي، وتطوير أنظمة النسخ الاحتياطي واستمرارية الأعمال وإدارة المخاطر الرقمية، باعتبار أن الأمن السيبراني أصبح اليوم جزءاً لا يتجزأ من الأمن الاقتصادي والمالي للدولة.

وفي الوقت الراهن، لا توجد مؤشرات معلنة تسمح بالحديث عن أزمة مالية أو مصرفية ناجمة عن الحادث، إلا أن المرحلة الحالية تتطلب أعلى درجات الحذر والشفافية والمتابعة الفنية الدقيقة إلى حين اكتمال التحقيقات وظهور النتائج النهائية بصورة رسمية.

فالتعامل المهني مع الأزمة، وليس الاختراق نفسه، هو ما سيحدد في النهاية حجم آثارها الاقتصادية ومستوى الثقة في النظام المالي الليبي خلال الفترة المقبلة.

شاهد أيضاً

صورة للمدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية كريم خان خلال مناسبة رسمية، يظهر فيها مرتدياً الزي القضائي أثناء حديثه مع أحد الأشخاص.

الجنائية الدولية توقف مؤقتًا مدعيها العام

أوقفت الهيئة الإدارية للمحكمة الجنائية الدولية أمس الثلاثاء، المدعي العام كريم خان عن العمل بشكل …