منصة الصباح
جمعة بوكليب

“السيليكون” لا يرى الربيع

جمعة بوكليب

زايد ناقص

يرتبط اسم الشاعر الفرنسي جاك بريفير بالتقشف اللغوي بشكل ملحوظ، وهو تقشفٌ لا يعكس فقرًا في المفردات، بل يفضي إلى ما يُعرف في عالم الأدب بـ “السهل الممتنع”؛ الذي يعكس غنى الرؤية، تماماً كما يفعل النحّات حين يزيل الزوائد ليُظهر جوهر التماثيل.

استحضرت الشاعر جاك بريفير مؤخرًا وأنا أطالع مقالاً في مجلة أسبوعية يتحدث عما اشتهر مؤخرًا بـ “هلوسات” الذكاء الاصطناعي ومغالطاته. ارتأينا قول “مغالطات” حتى لا نصفها بالأكاذيب المضللة؛ ذلك أن الذكاء الاصطناعي أُختُرعَ ليفكر مثل البشر لا ليكون موسوعة معلومات.

كاتب المقال (البريطاني) شبّه الذكاء الإصطناعي بالمحتال، مُوضحاً أن الإثنين يقدمان لك ما تود سماعه. الفارقُ الجوهري بينهما هو أن المحتال من البشر يعلم الحقيقة ويخفيها ليخدعك، بينما الذكاء الإصطناعي لا يدركها أصلاً؛ هو فقط مبرمجٌ ليرضيك، فيقدم لك “وَهَم المعرفة” بقالبٍ يبدو منطقياً.

تتجلى الفجوة بيننا وبين الذكاء الإصطناعي في حكاية حدثت للشاعر بريفير لدى زيارته مدينة فينيسيا في إجازة، حيث التقى مصادفةً بمتسولٍ كفيف البصر من بني جلدته. شكى المتسولُ سوء الحال للشاعر، وتجاهلُ السائحين وعدم تعاطفهم مع سوء حاله وحاجته. كان الرجلُ يضع لافتة ورقية تقريرية جافة مكتوب عليها: “أعمى ولا أملك معاشاً تقاعديًا”، وهي جملة، كما تبدو، تنتمي للغة الإحصاء والبيانات التي يفهمها الذكاء الإصطناعي جيداً، لكنها لم تكن تلمس قلوب العابرين من السائحين فما بالك بالوصول إلى جيوبهم. قال له بريفير إن السبب يعود إلى ما هو مكتوب في اللافتة، واقترح عليه جملة بديلة وهي: “الربيع مقبلٌ لكنّي لن أراه”. فتغير حالُ المتسول في اليوم التالي.

هذا يفضي بنا إلى استنتاجٍ مفاده أن الذكاء الإصطناعي قد ينجح في منحنا إجابات كاملة، لكنه يفشل في الإحساس بتلك الرجفة التي يحدثها الربيع في قلوبنا، أو طعم الحسرة التي تنبثق في قلب إنسان كفيف يعلم أنه لن يراه.

شاهد أيضاً

د. مجدي الشارف الشبعاني

قراءة هادئة في تحولات مصرف ليبيا المركزي

د. مجدي الشارف الشبعاني في دولة تعيش انقسامًا سياسيًا ومؤسسيًا معقدًا منذ سنوات، لا تبدو …