منصة الصباح
الدكتور علي عاشور

غَضَبُ الْمُدَرَّجَات وَدَمَارُ الْمُؤَسَّسَات

.د. علي عاشور

ما حدث خلال الأيام الماضية لا يمكن وصفه إلا بأنه انحدار خطير في سلوك بعض الجماهير، وخروج كامل عن روح الرياضة وعن أبسط قواعد الاحتجاج السلمي.

مهما بلغت حساسية مباراة كرة قدم، يجب أن تبقى في إطار التنافس الشريف، لا أن تتحول إلى ساحة للفوضى والعنف وسفك الدماء. فما ذنب عنصر الأمن الذي قُتل ذلك اليوم سوى أنه كان يؤدي واجبه في حماية الجميع؟ قتله يمثل جريمة لا يمكن تبريرها بأي حال من الأحوال، بل هو اعتداء صارخ على هيبة الدولة وعلى حق المجتمع في الأمن والاستقرار.

الرياضة وُجدت لتقريب الناس وليس لتأجيج الكراهية بينهم، والجمهور الرياضي الحقيقي هو من يساند فريقه بالتصفيق والتشجيع النظيف، لا من يحول المدرجات إلى منابر غضب أعمى. ما حدث من اعتداء على اللاعبين ورجال الأمن يعكس خللاً عميقاً في الوعي لدى شبابنا، ويؤكد أن هناك من فقد القدرة على ضبط النفس، بل وفقد القدرة على التفريق بين الخلاف الرياضي والسلوك الإجرامي.

الأخطر من ذلك، أن موجة العنف لم تتوقف عند حدود الملعب، بل امتدت خلال ساعات إلى وسط العاصمة، فتم الاعتداء على رجال الأمن وإحراق مركباتهم، ثم التوجه إلى مبنى رئاسة الوزراء وإضرام النار في جزء منه. هذا التصعيد الخطير يكشف أن الأمر لم يعد مجرد انفعال لحظي، بل تحول إلى سلوك تخريبي إجرامي يستهدف مؤسسات الدولة وممتلكات الشعب.

الكل يعرف أن الاحتجاج حق مشروع، لكن له ضوابطه وأخلاقياته. لا يمكن القبول بأن تعبر عن غضبك بحرق الممتلكات العامة أو الاعتداء على مؤسسات الدولة. هذه المباني ليست ملكاً لحكومة معينة أو لفئة أو جهة، بل هي ملك لجميع المواطنين، والاعتداء عليها هو اعتداء على المجتمع بأسره.

باختصار، إن تبرير العنف تحت أي ذريعة كانت يفتح الباب لمزيد من الفوضى في البلاد، ويزعزع أسس الدولة والقانون. لذلك، فإن المسؤولية اليوم تقع على عاتق الجميع: مؤسسات الدولة، والنخب، ووسائل الإعلام، ومنظمات المجتمع المدني، والمساجد، للعمل على ترسيخ ثقافة الاحتجاج السلمي وتعزيز قيم احترام القانون.

كما يجب تفعيل القانون دون أي تأجيل، ومحاسبة كل من تورط في أعمال العنف والتخريب، أياً كان موقعه أو مبرره، لأن الإفلات من العقاب يشجع على تكرار مثل هذه الأفعال، فالعدالة ليست انتقاماً، بل هي ضمانة لعدم تكرار الجريمة.

لا بد من التأكيد أن الغضب لا يبرر الفوضى، وأن التعبير عن الرأي لا يكون عبر الحرق والتدمير، فالمجتمعات التي تحترم نفسها هي التي تحمي مؤسساتها، وتحتكم إلى القانون، وتفصل بين حق الاحتجاج وواجب الحفاظ على الأمن العام. وما حدث يجب أن يكون جرس إنذار، لا بداية لمرحلة جديدة يُسمح فيها بتكرار مثل هذه الأفعال

شاهد أيضاً

د.علي المبروك أبوقرين

*التكلفة الصامتة لغياب الوقاية والبنية الصحية*

التكلفة الصحية الصامتة لا تتجلى في سوء الاستخدام أو الانحراف داخل النظام الصحي فقط إنما …