د. مجدي الشارف الشبعاني
في دولة تعيش انقسامًا سياسيًا ومؤسسيًا معقدًا منذ سنوات، لا تبدو مهمة مصرف ليبيا المركزي مجرد إدارة للسياسة النقدية بالمعنى التقليدي، بل تبدو أقرب إلى محاولة يومية لمنع الاقتصاد من الانزلاق نحو مزيد من الفوضى، والحفاظ على الحد الأدنى من الثقة في العملة والمؤسسات المالية.
ولهذا، فإن تقييم أداء المصرف المركزي خلال المرحلة الأخيرة لا يمكن أن يكون تقييمًا تقنيًا صرفًا، ولا قراءة سياسية منحازة، بل يجب أن يُفهم في سياق بيئة شديدة الاضطراب، تتداخل فيها تحديات الانقسام المؤسسي، وضغوط السوق الموازية، وارتفاع الإنفاق العام، وتراجع الثقة العامة في مؤسسات الدولة.
ومنذ تولي السيد ناجي عيسى ومجلس إدارته مهامهم، ظهرت محاولة واضحة لتحريك المؤسسة المصرفية بصورة أكثر حضورًا وفاعلية، ليس عبر الخطابات فقط، بل من خلال التوجه نحو ملفات ظلت لسنوات تمثل مصدر قلق حقيقي للمواطن والسوق معًا.
ومن أبرز هذه الملفات، ملف العملة المزورة وبعض الإصدارات النقدية المثيرة للجدل، وهي من أكثر القضايا حساسية في أي اقتصاد، لما تمثله من تهديد مباشر للثقة في العملة الوطنية واستقرار الكتلة النقدية.
ورغم ما صاحب هذه الإجراءات من جدل وتعقيدات، فإن الاتجاه نحو سحب بعض الإصدارات وتنظيم التداول النقدي يعكس محاولة لإعادة قدر من الانضباط إلى المشهد النقدي الذي تعرض خلال السنوات الماضية إلى قدر كبير من التشوه والارتباك.
كما أن التوسع في ضخ إصدارات نقدية جديدة جاء في سياق محاولة الحد من الفوضى النقدية وتحسين إدارة السيولة، خصوصًا في ظل واقع اقتصادي يعاني أصلًا من الانقسام وضعف التنسيق بين المؤسسات المالية في الشرق والغرب.
لكن ربما تبقى الخطوة الأكثر تأثيرًا بالنسبة للمواطن العادي هي تسهيل الوصول إلى النقد الأجنبي عبر القنوات الرسمية.
فإتاحة شراء الدولار من المصارف، رغم ما يحيط بها من صعوبات وتفاوت في التطبيق، خففت نسبيًا من الارتهان الكامل للسوق السوداء، ومنحت المواطن منفذًا قانونيًا أوضح للحصول على العملة الأجنبية بدل الوقوف تحت رحمة المضاربة والسماسرة.
ومع ذلك، فإن التحول الأبرز خلال الفترة الأخيرة لم يكن في ملف الدولار أو العملة فقط، بل في الدفع الإلكتروني والخدمات المصرفية الرقمية، وهو الملف الذي يبدو أن المصرف المركزي وضع عليه رهانًا حقيقيًا.
فخلال سنوات طويلة، ارتبطت علاقة المواطن الليبي بالمصرف بالطوابير، وشح السيولة، والصكوك الورقية، والاعتماد شبه الكامل على النقد الورقي في كل تفاصيل الحياة اليومية.
لكن التوسع الملحوظ في خدمات الدفع الإلكتروني، وتشجيع استخدام نقاط البيع، والتسهيلات الممنوحة للمصارف والتجار للحصول على أجهزة الـ POS، إضافة إلى دعم منظومات مثل Libya Pay، كلها خطوات تعكس توجهًا مختلفًا يسعى إلى تقليل الاعتماد على “اقتصاد الكاش” الذي فتح الباب لسنوات أمام السوق الموازية والاكتناز وضعف الرقابة المالية.
وهنا لا يتعلق الأمر بمجرد تحديث تقني أو تحسين خدمة مصرفية، بل بمحاولة تدريجية لإعادة تشكيل السلوك المالي داخل المجتمع الليبي نفسه.
فالمواطن الذي أصبح قادرًا على الدفع إلكترونيًا في عدد متزايد من المحال والخدمات، والتاجر الذي بدأ يعتمد نقاط البيع بدل الاحتفاظ بكميات كبيرة من السيولة، والمصرف الذي توسعت خدماته الرقمية، كلها مؤشرات على تحول حقيقي – ولو ما يزال في بدايته – داخل البيئة الاقتصادية الليبية.
كما ساهم هذا التوسع نسبيًا في تخفيف الضغط على فروع المصارف، وتقليل جزء من مشاهد الازدحام والطوابير التي ظلت لسنوات واحدة من أكثر الصور تعبيرًا عن أزمة الثقة في المنظومة المصرفية.
ومن النقاط المهمة أيضًا، أن المصرف المركزي خلال الفترة الأخيرة أصبح أكثر حضورًا على مستوى الإفصاح والتواصل، سواء عبر البيانات أو التوضيحات أو التعميمات المرتبطة بالخدمات والسياسات النقدية.
وقد يبدو هذا تفصيلًا إداريًا للبعض، لكنه في الحقيقة عنصر مهم في بيئة اقتصادية تتأثر بسرعة بالشائعات والمضاربة وفقدان الثقة بالمعلومة الرسمية.
ومع ذلك، فإن أي قراءة موضوعية لا يمكن أن تتجاهل أن هذه الجهود ما تزال تعمل داخل بيئة شديدة التعقيد. فالسوق الموازية لا تزال تملك تأثيرًا فعليًا على سعر الصرف وعلى سلوك المواطن، والانقسام السياسي والمؤسسي ما يزال يلقي بظلاله الثقيلة على الاقتصاد، كما أن التضخم وارتفاع الإنفاق العام واستمرار الاقتصاد الريعي كلها عوامل تحد من قدرة أي سلطة نقدية على تحقيق استقرار كامل.
كما أن نجاح الخدمات الإلكترونية نفسها ما يزال يواجه تحديات تتعلق بالبنية التحتية، والانقطاعات التقنية، وضعف الثقافة الرقمية لدى بعض الفئات، فضلًا عن استمرار ثقافة الاعتماد على النقد الورقي داخل جزء من السوق الليبي.
لكن، وبرغم هذه التحديات، يبدو من الصعب إنكار أن هناك محاولة فعلية لإعادة بناء قدر من الثقة بين المواطن والمنظومة المصرفية.
وربما لا يكون النجاح الكامل قد تحقق بعد، وربما لا تزال النتائج أقل من طموحات كثيرين، إلا أن بعض الخطوات التي اتُّخذت خلال المرحلة الأخيرة بدأت تُحدث أثرًا ملموسًا في الحياة اليومية للمواطن، خصوصًا في جانب الخدمات الإلكترونية وتحسين الوصول إلى الخدمات المصرفية.
وفي النهاية، فإن استعادة الثقة في المصرف ليست مجرد مسألة مالية أو نقدية فحسب، بل هي جزء من استعادة ثقة المواطن في فكرة الدولة نفسها؛ لأن المواطن الذي يشعر أن مؤسساته قادرة على تقديم خدمة مستقرة وشفافة وعادلة، يكون أكثر استعدادًا للإيمان بإمكانية بناء الاستقرار الحقيقي، حتى وسط كل هذا التعقيد الذي تعيشه ليبيا اليوم.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية